
في بيته
بالعاصمة
البريطانية لندن التقت ليبيا المنارة الكاتب والصحفي الليبي
أ.محمود الناكوع وأجرت معه حوارا مطولا حول الأحداث والتطورات
المتسارعة التي يشهدها الملف الليبي على الصعيدين : الداخلي
والخارجي، بدأ من تعويضات لوكربي والاعتراف بأسلحة الدمار
الشامل ومستقبل الانفتاح الليبي على الغرب وأثره على المواطنين
الليبيين ومرورا بملف الديمقراطية وحقوق الانسان والمعارضة
الليبية وخيار الاصلاح أوالتغيير.
نص الحوار :
بطاقة تعريف
المنارة : بالرغم من أنه من الصعب أن يتحدث
المرء عن نفسه وسيرته الذاتية ولكننا نود من ضيف المنارة
العزيز الكاتب الليبي محمود الناكوع أن يقدم لنا وللقارئ نبذة
مختصرة يتحدث فيها عن سيرته الذاتية اذا أمكن ذلك ؟
أ. محمود الناكوع (
يبتسم ويجيب مسترسلا ) :
أنا
من
مواليد بلدة الزنتان بجنوب غرب ليبيا عام 1939
حيث درست بها المرحلة الابتدائية ومن ثم تابعت
دراستي الإعدادية والثانوية بمدرسة غريان الثانوية خلال فترة
الخمسينات من القرن الماضي وأعتبرها من أهم المراحل في حياتي
الثقافية والفكرية لكونها كانت غنية بالتطورات السياسية
والفكرية في المنطقة العربية لاحتوائها أحداثا كبيرة كالثورة
المصرية والثورة الجزائرية كما شهدت بدايات الاستقلال بليبيا ،
ثم أكملت دراستي الجامعية بالجامعة الليبية في بنغازي
بكلية
الآداب والتربية حيث تخرجت منها في عام 1963 ، وانخرطت مباشرة
في العمل الإعلامي ... فعملت محررا في قسم الأخبار العالمية
بالإذاعة الليبية ثم ما لبثت أن انتقلت للصحافة عام 1967 ، حيث
فتحت لي هذه المرحلة مجالا واسعا للكتابة في الصحافة الليبية ،
سواء بالصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية ، وأرى أن مرحلة
الستينات كانت من أهم المراحل الثقافية والسياسية في ليبيا حيث
بدأ في ذلك الوقت إنتاج النفط والذي بدوره أدى إلى انتعاش
الحركة الثقافية والعمرانية في ليبيا حيث كانت هناك عشرات
الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية وكان بعضها مستقلا
وتوفرت في حينها مساحة جيدة للتعبير عن الآراء ، كما كان أيضا
هناك تنظيمات سياسية
كثيرة
في ليبيا قومية ويسارية وإسلامية ، وانتميت حينها للتيار
الإسلامي ولجماعة الإخوان المسلمون على وجه الخصوص ، ومن ثم
جاء الانقلاب العسكري في ليبيا فأوقفت عن العمل الصحفي لاختلاف
خطي ولوني السياسي عن خيارات الانقلاب ، وفي غمار ما سمي
بالثورة الثقافية والإدارية عام 1973 اعتقلت لمدة عامين بتهمة
الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ثم أفرج
عنا
بعد أن تبين أنه لم يكن هناك تنظيم في تلك السنوات لكون
الجماعة قد جمدت العمل بعد هبوب رياح التغيير العسكرية في
ليبيا ، في عام 1978 هاجرت ليبيا وحتى اليوم ما أزال مهاجرا
ومعارضا للنظام السياسي الليبي حيث ساهمت في تأسيس الجبهة
الوطنية لإنقاذ ليبيا ، ولخلاف بالاجتهادات انسحبت من العمل
عام 1990 وتفرغت للعمل الفكري وللكتابة والتأليف فأصدرت حتى
الآن عشر كتب نشرت اغلبها من مدينه لندن التي وجدت فيها هامشا
جيد ا من الحرية والقدرة على الحركة وكتابة ما أريد .
المنارة : نلاحظ
في
هذه الأيام تحركات نشطه على مستوى السياسة
الخارجية الليبية ... وهناك نشاطات دبلوماسية ليبية أخذت حيز
واسع من الاهتمام على المستوى الدولي .... ما هو تعليقكم عليها
؟
أ. محمود الناكوع : إن النظام الليبي وكما وصفه
الكثيرون نظام غريب الأطوار ويرصد المتتبع له عددا من التنقلات
المفاجئة والتحالفات المتناقضة ... ومن المؤسف أن هذه التقلبات
التي يتصف بها كثيرة السلبيات خصوصا للمجتمع الليبي ولمحيط
ليبيا العربي والإسلامي ، وآخر هذه التطورات والتغيرات حدثين
كبيرين الأول اعتراف النظام بمسؤوليته عن حادث لوكربي وهو
اعتراف خطير لأنه تضمن الالتزام بدفع تعويضات مالية كبيرة على
حساب أموال الشعب الليبي ، الحدث الأخر هو اعترافه بأن لديه
مشروع لأسلحة الدمار الشامل وللأسلحة النووية ،
وهذا ما يعتبر قمة التغيير في السياسة الليبية
والتي ظلت وعبر ثلاثة عقود تعادي الغرب وتعادي “ إسرائيل “
والتف حولها الكثيرون من خارج ليبيا بوصفها صوت عروبي وإسلامي
يقف في وجه الإمبريالية العالمية بقيادة أمريكا ، لكن هذا
التنازل عن مشروع الأسلحة يعد بمثابة تنازل عن نوع من السيادة
وعن الحق بأن تمتلك أي دولة الأسلحة التي تريدها في ظل
امتلاكها من قبل عدد من الدول من ضمنها “ إسرائيل “ ، هذا
التنازل
أحدث
خيبة أمل كبيرة لكل الذين تعاطفوا مع النظام
الليبي حين اعتبر نظاما إرهابيا ومعاديا للغرب ، مما سيجعل
النظام معزول تماما ... أولا معزول داخليا لأنه نظام يستبد
ويبطش وينكل بمواطنيه ويعمل على حرمانهم من الحقوق الأساسية
للعيش الكريم ومن التعليم الجيد والصحة الجيدة ...ومعزول في
محيطه العربي والإسلامي عندما تنازل عن ذلك المشروع ولم يكتفي
بذلك بل قدم وأعطى معلومات كاملة ومفصلة عن كل الدول والمؤسسات
والهيئات التي تعاونت معه بالمشروع النووي ، كل هذا يعتبر
انتكاسه خطيرة واعتقد أن النظام الليبي بقيادة
العقيد
القذافي قد فقد الكثير من مبرراته وشعاراته ولن يستطيع أن يصحح
أو يبرر ما وقع فيه من أخطاء ...
المنارة : لماذا كان هذا التغيير 180 درجة
باتجاه معاكس ... بعد أربعة وثلاثين عام من الشعارات ومن
المواقف التي أدخلت البلاد في هذه المعمعة ؟
أ. محمود الناكوع : هذا يدل على أن النظام
وقيادته لا يتصرف ضمن مبادىء ومعتقدات وقيم مستعد أن يحافظ
عليها ويدافع عنها حتى أخر رمق ، بل هو وضمن أحسن التعبيرات
نظام عملي ينظر لمصلحته ، ويرى بهذا التحول إنقاذا لنظامه من
مواجهة مباشرة مع الغرب خصوصا بعد أن قامت أمريكا بكل ثقلها
وجيوشها بشن حرب على العراق واحتلاله وإعلانها بكل صراحة أنها
تسعى لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة ، ولخشيته بأن
يكون المرشح التالي بعد النظام العراقي – كما كانت تشير بذلك
عدد من الصحف والتحليلات السياسية - سارع النظام لكي يبدي حسن
نواياه ... ويخضع للإملاءات الأمريكية ،
الهدف باختصار هو أن ينقذ رأسه ويستمر باستئثار
السلطة ...
المنارة :
النظام الليبي وجد نفسه محاصرا
ويقف أمام طريق مسدود وليس أمامه إلا القيام
بهذه الخطوات للمحافظة على بقائه
...
هل كان بإمكان النظام أن يفعل أي شيء غير الذي
قام به
؟
أ. محمود الناكوع : كان بإمكانه أن يناور ...
كغيره من الأنظمة مثل سوريا وإيران التي كانت وما زالت تناور
... بالتأكيد كان هناك مجال للمناورة السياسية والقانونية
والاقتصادية ... لكنه أصيب بنوع من الهلع والخوف ... وكشف كل
أوراقه دفعة واحدة وفي لحظة معينة ... ، بالتأكيد بعض
المعلومات بحاجة للوقت حتى تكتمل لنعرف بوضوح ما هي الظروف
الحقيقية والدوافع الكامنة ... وربما الضغوط التي دفعت النظام
لاتخاذ هذا القرار... وان كنت اعتقد أنه نوع من الجبن ومن
المحاولة للحفاظ على مركزه قدر الإمكان .. أدت في أن يسرع
باتخاذ مثل هذه الخطوات التي يراها مرضية للغرب ...
المنارة : هل تعتقد أن النظام بمثل هذه الخطوة
... والتي يسميها بخطوة الانفتاح
على الخارج ...
قد حقق المطلوب منه .. أم أنه سيكون هناك مزيد من الاستحقاقات
التي يجب عليه أن يقدمها
مستقبلا
؟
أ. محمود الناكوع : كما نتابع فإن الولايات
المتحدة وبريطانيا وحتى مع زيارة وزير الخارجية الليبي إلى
لندن ما زالت تقول أن هناك ملفات لم تغلق بعد كالتعامل مع
المنظمات الإرهابية مثل
IRA
وهناك إشارات إلى موضوع حقوق الإنسان وان كانت خفيفة هناك أيضا
موضوع العلاقة مع “ إسرائيل “ وهو بالتأكيد يحظى باهتمام
الولايات المتحدة التي ترمي بكل ثقلها في سبيل التطبيع بين
العرب و” إسرائيل “ وسيكون موضوع رئيسي بالمحادثات والمداولات
التي ستجرى ... السرية منها والمعلنة ... إذن الاستحقاقات
مازالت قائمة ...
لكن إلى أي مدى يستطيع القذافي أن يمشي بهذه
الطريق ... إلى أي مدى يستطيع أن يكشف ما لديه من أوراق ومن
ماضي ... وهل سيبقى مؤهلا لأن يستمر كرئيس دولة ذا مصداقية
وقبول بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا .... هذا هو السؤال
المهم والكبير ....
لذلك ربما يطرح بين الحين والحين اسم ابنه سيف
الإسلام معمر القذافي من قبل صحف وشخصيات بريطانية وأمريكية
كشخص أكثر قدرة على إدارة البلاد في المستقبل وهذا يعد بمثابة
ضغط مباشر على القذافي ... وكإشعار له بان الطريق أصبحت مسدوده
أمامه ولابد من إحداث تغييرات جوهرية ... وهذا يعني انتهاء
دوره القيادي ... هذا أمر ليس مؤكد أو مضمون لكن هناك إشارات
كثيرة تدل على وجود مثل هذا الاتجاه في الغرب.
المنارة : هل تعتقد أن سيف معمر القذافي
سيكون هو الشخصية
المقبولة
من قبل النظام الدولي عموما،
ومن قبل الدول الكبرى
كبريطانيا
وأمريكا
على وجه التحديد
؟
أ. محمود الناكوع : قد يكون مرغوبا
فيه
ولكن ربما لمجرد فترة انتقالية يجرب فيها إلى أي مدى يستطيع أن
يدير البلد إدارة مناسبة ويستطيع أن يغير من الواقع الذي ساد
أكثر من ثلاثين عاما وأن يحقق لليبيا حضور وعلاقات جيدة على
المستوى الدولي ، ويستطيع أن يتعامل بفعالية مع ملف حقوق
الإنسان وهو ملف مخزي ومؤلم في ليبيا ...
فسيصعب على المجموعة الأوروبية والولايات
المتحدة وعلى كثير من المؤسسات الدولية أن تتعامل مع نظام يحمل
هذا السجل بمجال الحريات وحقوق الإنسان ... مع نظام ليس له
دستور وقوانين مستمرة وقضاء مستقل وليس له أي هامش من حرية
الصحافة ... ، فاستمرارية مصالحها هي بالدرجة الأولى ومصالح
شركاتها ومواطنيها سيكون مرتبطا بوجود نظام مستقر سياسيا
وقانونيا ليساعد على تدفق التجارة وجذب السياحة ويساهم في
تقديم معلومات سليمة في مجال التعاون ...
المنارة :
لاشك أنكم تابعتم اليوم قرار
الخارجية الأمريكية
برفع
الحظر عن سفر مواطينها إلى ليبيا ...
كما أن
زيارة وزير الخارجية الليبي لبريطانيا
أعقبتها
وعود من بلير بمقابلة القذافي شخصيا ... هل
بريطانيا لديها
مصلحة
بالانفتاح الأمريكي على ليبيا ... هل من الممكن أن تلعب دور
الوسيط بين ليبيا والغرب ؟
وما
أهمية مثل هذا الأمر بالنسبة لبريطانيا ؟
أ. محمود الناكوع : كما تفضلت كان هناك تحرك
ملفت للنظر لبريطانيا في تجاوبها وتعاطيها مع خطوات النظام
الليبي نحو الغرب خصوصا في الفترة التي تلت اعترافه بالمسؤولية
عن حادثة لوكربي واستعداده لدفع التعويضات ... فأعادت العلاقات
الدبلوماسية ... وذهبت خطوات جيدة بهذا الاتجاه ... ، ويبدو
أنها منحت النظام الليبي شهادة للأخريين بأنه مقبل على تغيير
حقيقي ... في علاقته مع المنظومة الغربية ... وفي تعاونه ضد
الإرهاب ...
ويهدف هذا التحرك ... والاستمرارية فيه إلى
الحصول على مزيد من المعلومات ... وإلى الضغط لمزيد من
التنازلات فكما قل جاك سترو في مؤتمره الصحفي مع نظيره الليبي
عبد الرحمن شلقم أنه ما زال هناك ملفات لم تنجز بعد مثل ملف
الشرطية البريطانية القتيلة وملف حقوق الإنسان ... وغيره ،
ورغم العلاقات الجيدة فإن أسلوب الابتزاز والضغط واضح في أسلوب
الدبلوماسية البريطانية نحو ليبيا هي تريد استثمار الخطوات
الليبية لأبعد مدى ممكن ... والضعيف مستعد دائما لأن يعطي ...
وإذا بدأت مسيرة تنازلاته فإنها لا تتوقف ... ، كما أن
الإعلان عن أسلحة الدمار الشامل وما رافقه من تسريب لمعلومات
عن مؤسسات ودول أخرى ... سيكون بمثابة ورقة سياسية مهمة لكل من
بلير وبوش ... سيستعملانها إلى أبعد الحدود خصوصا وأن كلاهما
يستعد لمواجهة صعبة في الانتخابات القادمة في كل من بريطانيا
وأمريكا ...
المنارة : أشرتم
من خلال حديثكم
إلى نقطة مهمة وهي ملف حقوق الإنسان
والديمقراطية ... هل تعتقد أنه في المرحلة القادمة
من
الممكن أن تتغلب المصلحة الاقتصادية بالنسبة للدولتين بريطانيا
وأمريكا على ملف حقوق الإنسان
والديمقراطية
وبالتالي
لن يكون هناك فائدة
سياسية
حقيقية للمواطن الليبي ... هل تعتقد أن هذا
سيحدث
خصوصا وأنك ذكرت بأن هذه الدول لا تتحرك وفق هوى
سياسي مطلق
... بل من أجل مصالح داخلية تحكمها مثل هذه
القيم التي لاشك تؤثر في سير اللعبة الانتخابية داخليا.
إلى
أي مدى ممكن أن يؤثر ملف حقوق الإنسان
والديمقراطية
في
علاقة النظام
الليبي
مع
أمريكا وبريطانيا مستقبلا ... ؟
أ.
محمود الناكوع : هذا هو السؤال المهم بالنسبة
لليبيا وبالنسبة للشعب الليبي فكل هذه الأبواب والقنوات التي
فتحت الأن بما فيها ملفات حقوق الإنسان هي نقطة تحول مهمة
بالنسبة للمواطن الليبي والمعارضة الليبية يجب أن تستثمر إلى
أبعد ما يكون ... من خلال الضغوط وعبر تقديم المعلومات عن هذا
الملف وما ينطوي عليه من مآسي حدثت في الماضي وما زالت مستمرة
فلا شك انه سيكون هناك هامش من الضغوط على ملف حقوق الإنسان من
قبل الدول الغربية ، لكني لا أميل إلى أن تعول المعارضة
الليبية ولا الشعب الليبي على العامل الخارجي تعويلا كبيرا ...
فالتغيير الحقيقي يأتي من الداخل ... من مطالبة الشعب الليبي
بحقوقه الأساسية ... حقوقه بالتفكير ... في حرية التعبير ...
حقوقه في أن توزع الثروة توزيعا عادلا في أن تكون هناك خدمات
جيدة ... هذه الحقوق لا يمكن أن يشعر بها وأن يسعى إليها إلا
المواطن الليبي والمعارضة الليبية ... فالدول الغربية وفي كثير
من التجارب مع شعوب المنطقة كان تحركها انتهازيا وانتقائيا
وهمه ضمان وحماية مصالحها الأساسية ، فهي لن تخوض حربا أخرى من
اجل الشعوب ... سواء في ليبيا أو في سوريا وإيران ، وإذا قررت
أن تخوض حربا فدوافعها في ذلك تحقيق مصالحها الأساسية ،
والدعوة لحقوق الإنسان تظل ورقة وشعار يستخدم باستمرار للضغط
على الأنظمة لكن لا يذهب بعيدا لتحقيق مطالب الشعوب ... فهذه
المطالب تبقى من مسؤولية المعارضة والشعب الليبي .... فلا تعول
على الضغوط الأمريكية والبريطانية ولكنها يجب أن تستفيد منها
لأبعد الحدود ... ممكن عبر تشكيل لوبيات ضغط بهذه الدول وبقية
الدوائر الغربية للضغط على النظام الليبي لتحقيق أكبر درجة
ممكنة من مطالب حقوق الإنسان ...
المصالح الاقتصادية للغرب وضرورة ارتباطها باصلاحات سياسية
المنارة : هل يهم الدول الغربية في سبيل تحقيق
مصالحها الاقتصادية ... ومصالح شركاتها في المستقبل ... هل
يهمها أن تضغط على النظام
من أجل حصول الاستقرار وتحقيق
إصلاح سياسي ؟
أ. محمود الناكوع : هذا يقع في إطار نظرتها
لملف حقوق الإنسان .. فهذه الدول يهمها أن يكون هناك مناخ
سياسي واقتصادي مستقر ومدعوم بإجراءات قانونية تضمن استمرارية
مصالحها التجارية كما تضمن وقف الهجرة غير الشرعية من قبل
الأفارقة والمصريين وغيرهم والتي تتسرب إليهم بحرا عبر ليبيا
... وهذا يحتاج لدولة ذات مؤسسات ... وتمتلك موظفين قادرين على
إدارتها ... ويشعرون بالرضى والأمان الوظيفي ويملكون دخلا جيدا
يجنبهم اللجوء لقبول الرشاوى ... وهو الأمر الذي يحصل رغم أن
ليبيا بلد نفطي لكن موظفيه ليس لديهم الدخل الكافي ... مما
يضطرهم لقبول الرشوة وغيرها من الإجراءات اللاشرعية ...
إذن هي ترى انه يجب أن يكون هناك دولة وقانون
ونوع من الاستقرار وضمن هذا الإطار ممكن أن تضغط هذه الدول
لحدوث تحول ... لكن النظام وبثقافته المعروفة ممكن أن يلتف على
هذه الأمور بطريقة أو بأخرى وسيحاول أن يرضي هذه الشركات وهذه
الدول ... ولكنه لا يرضي الشعب الليبي ...
المنارة : هل سيستفيد المواطن الليبي من
الانفتاح ... ومن استحقاقات الانفتاح .. ؟ وهل تشجع هذا
الانفتاح الذي تقوم به ليبيا عموما نحو الغرب ؟
أ. محمود الناكوع : بالتأكيد سيستفيد وربما
بدأت هذه الاستفادة
قد بدأت
منذ مدة في قضايا السفر والزيارات للخارج والتي
تمثل فرصة للمواطن الليبي أن يرى العالم ، أن يشاهد عن قرب كيف
يعيش الناس الآخرين
ولو
كان على مستوى زيارة الخليج أو ايطاليا أو تونس ... كيف
يستثمرون أموالهم ... وأن يقارن مستوى الخدمات المقدمة عندهم
... فبالتأكيد أن السفر ومعايشة التطور في العالم سيثير لدى
الإنسان الليبي عددا من التساؤلات ... لماذا هذه الدول أفضل
منا .. لماذا لا نكون مثل هذه الدول بل وأفضل فنحن نملك أموالا
كثيرة من ثروة النفط ...
لكن الاختبار الأهم يبقى في مؤتمر الشعب العام
المقبل ... هل سيشهد حدوث تغييرات حقيقية ... هل سيقر قوانين
جديدة ... هل سيكون هناك تطورات على مستوى هيكلية الدولة ؟؟؟
فمنظمات حقوق الإنسان والمعارضة الليبية والصحف أشارت وتكلمت
عن قوانين جائرة مثل قانون تجريم الحزبية ... قانون إلغاء
الصحافة
وقوانين أخرى
مثل قانون الشرف والذي يمثل العقوبة الجماعية في هذا العصر ...
وغيرها ... إذا لم يتم
إلغاء هذه القوانين وبوضوح في مؤتمر الشعب العام فهذا يعني انه
ليس هناك توجه جاد لإحداث إصلاح حقيقي ... لأن الإصلاح الحقيقي
يتمثل بقوانين ... والتي من شانها أن ترعى مصالح الشعب وحقوقه
الأساسية وحقوق أمواله وتنقله ... وحريته وتعبيره .
المنارة : نعود لنقطة مهمة ذكرتها حضرتك ...
أنه يجب أن توظف دعوات الإصلاح التي تأتي من الخارج ... من قبل
المعارضة الليبية ... ما هو نوع هذا التوظيف ... وكيف يكون ؟
أ. محمود الناكوع : إن معركة المعارضة اليوم
معركة سِلمية تعتمد على الذكاء والفكر والثقافة والتوعية ...
فلم يعد هناك أجنحة عسكرية لأي تنظيم ليبي ... ممكن أن تتطور
إلى نوع من المظاهرات والاحتجاجات السلمية – فكما سمعنا أن
هناك بعض التظاهرات والتحركات في مدن ليبية تطالب بصرف
المرتبات في أوقاتها - ... هذا نوع من الصراع السلمي .... فلا
خلاف أن مبدأ الإصلاح سليم ... ومبني على فكرة سليمة لكن
السؤال الذي يطرح هل هذا النظام الذي استمر أكثر من ثلاثين سنة
يمارس الكثير من الأخطاء والمظالم بحق شعبه يمكن أن يتغير ضمن
يوم وليلة دون ضغوط حقيقية من داخل الشعب الليبي ... ومن قبل
القوى الخيرة داخل المؤسسات الإنسانية والحقوقية ... ودون ضغط
من بعض الدول لحماية مصالحها ... هذا هو السؤال .. وليس في أن
الإصلاح عمل مجدي أو غير مجدي ....
من منطق أننا نخوض معركة سِلمية يجب أن نتحرك
... فلسنا في جيش حتى نفكر بقيادة انقلاب أو أننا نملك ميليشيا
عسكرية لكي نقودها نحو تغيير جذري ... نحن نقود عمل فكري
وثقافي هدفه أن يغير سلميا ... إلى أي مدى يمكن أن ننجح هذا
يتوقف على
الشعب
الليبي وعلى نخبه وقياداته ... وحسن توظيفها للظروف التي يمر
بها النظام ... فهو أضعف ما يكون الأن ... ولم يعد ذلك النظام
المغلق على الغرب والغير معني بالنظام الدولي ... والأمم
المتحدة ... بوصفه نظاما ثوريا ... فالوضع قد تغير الأن ولا
يستطيع أن يذهب بنفس السيرة والأسلوب وبنفس الخطاب ... الوضع
الأن بمثابة فرصة للمعارضة الليبية عبر الفضائيات ومواقع
الإنترنت أن تركز على خطاب الإصلاح ...
لكن لا بد أولا أن تحدد بالضبط ماذا تريد فيجب
أن يكون هناك هدف عام تتفق عليه المعارضة ... فالإصلاح هدفه
إقامة دولة دستورية وقانونية تعطي المواطن حقوقه كاملة طبقا
للقانون وللممارسة ... وإذا وصلنا أن يكون هناك موافقة وتجاوب
مع هذه المطالب عندها نكون قد قطعنا شوطا جيدا ...
وأشير هنا إلى أن الخلاف بين فصائل وشخصيات المعارضة لا يجب أن ينتقل
لمستوى تبادل الإتهامات ، فإذا دعت جهة ما إلى إصلاح وحوار أو
أنها طرحت نظرة توفيقية لا يجوز أن تتهم بالخيانة أو أنها
تنازلت عن مطالب الشعب الليبي وقفزت على حقوقه ولكن يجب أن
يفهم موقفها ضمن إطار احترام الرأي ... هذا إذا أرادت المعارضة
... أن تكون ناضجة ولها دور وذات قيمة ومؤهلة لممارسة
للديمقراطية ...
المنارة : هل ترى أن خيار إسقاط النظام لم يعد
ممكنا للتحقق بعد اليوم ... هل خيار التغيير النهائي والجذري
لنظام القذافي .. لم يعد هناك القدرة على تحقيقه في الوقت
الحالي ؟
أ. محمود الناكوع : رغم التنازلات التي قدمها
النظام للغرب فإن النظرة إلى واقع الداخل الليبي تؤكد أنه
يتمتع بسيطرة كاملة على الأمور ... فله لجانه ورجاله ...
ومؤسساته الأمنية ... ولقد ابتدع ما يسمى بالمربعات الأمنية
التي تقسم البلاد لتصبح كل حركة وسكنة في متناوله ... إذن هو
مسيطر ... بينما التنظيمات بالخارج صغيرة ... وليس لها من
وسيلة إلا وسيلة البلاغ بالكلمة المنشورة أو المسموعة ...
والتي قد تكون عبر القنوات الفضائية رغم محدوديتها وانتقائيتها
...
فليس لنا أن ندفع إلا باتجاه الإصلاح ... والذي
أؤكد أنه يجب أن تكون لدعوته أهداف أساسية كبرى لا يجوز
التنازل عنها ... هذا هو الاختبار لقوى المعارضة ... فرغم
صغرها فإنها تبقى معارضة مؤثرة والشعب الليبي يعَّول عليها
آمال كبيرة ... وكلام بعض المسؤولين في النظام الليبي
في المعارضة الليبية
بأنه لا قيمة ولا وجود لها،
يكذبه رد أفعالهم نحو مواقع صغيرة على الإنترنت
يحاولون التشويش عليها ومنع الناس من الوصول إليها وقراءة ما
تقدمه من معلومات ...
المنارة : أصبح من الواضح أن الخيارات في
الساحة الليبية قد انحصرت إلى خيارين ... الخيار الذي تتبناه
مجموعة الميثاق والذي وقعت عليه خمس فصائل ومجموعة من
المستقلين والخيار الذي تجلي بتصريح المطول الناطق الرسمي
لجماعة الإخوان المسلمين ... هل من تعليق على الخيارين بشكل
عام ... ثم نتوقف بشكل أوسع عند خيار الإصلاح خصوصا وانك قد
كتبت فيه ورصدت تفاعلاته على ساحة المعارضة الليبية ؟
أ. محمود الناكوع : إن التنوع والخلاف شي طبيعي
في البشر وليس من غير المألوف أن توجد تنظيمات تعمل وتسعى نحو
التغيير الجذري ... وترى به أساسا للحل ... وانه لا أمل في
إصلاح الواقع الليبي إلا بزوال المسؤولين عن ما صلت إليه
البلاد من بلاء وتخلف ...
وان يكون هناك من يملك وجهة نظر مختلفة فترى
انه ليس لدى المعارضة ولا الشعب الليبي القدرة والإمكانيات على
خوض مثل هذه المعركة ولو كان لديه لوصل منذ زمن إلى إحداث
التغيير المرغوب ... ويروا أن التغيير الجذري يبقى بعيد عن
التفكير الواقعي ... ولا يعدوا عن كونه أمنيات .... لذلك
يتجهون لما يسمى دعوة الإصلاح ... والضغط بكل الوسائل الممكنة
لتحقيقه ...
ولكني أؤكد هنا وبشدة ... على أن الإصلاح يجب
أن يقوم على مبادىء أساسية ... والتنازل عنها يحول الإصلاح إلى
مجرد مناورة سياسية تسعى لتحقيق مكاسب مادية ستكون وقتية ولا
تحقق الأهداف الكبرى ...
المنارة : من الواضح أن هناك نوعين من الإصلاح
... إصلاح تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية والعامل الدولي ،
وهناك
اصلاح
حسب مفهوم
القيادة السياسية الليبية ؟ سؤالنا عن النوع
الأول من الإصلاح ... هل يحمل بالفعل المبادىء التي طرحتها ...
أم أنه إصلاح لا يخدم المواطن الليبي ؟
أ. محمود الناكوع : من أجل تحقيق الإصلاح على
المعارضة أن توظف كل المجالات ... وكل قنوات الضغط المتاحة على
النظام ... سواء القنوات الأمريكية البريطانية ... أو من خلال
الصحافة الدولية ... من خلال مؤسسات حقوق الإنسان ...
والبرلمان الأوربي ... كل هذه القنوات مفتوحة وممكن الضغط من
خلالها ... وهذا شيء مفيد ومهم ... لكن لا يجب على أن نعول على
أن أمريكا وبريطانيا ستحقق للشعب الليبي ما يريد ... أنا أشك
في هذا لأن تحركها سيكون من أجل تحقيق مصالح معينة ومحدودة وقد
تتوقف عندما تنال وتقطف ثمار تلك المصالح ، في سبيل تحقيق
مشروعها بخلق الشرق الأوسط الكبير تتكلم أمريكا عن ضرورة وجود
الديمقراطية والتغيير والإصلاح ... وعن احترام حقوق الإنسان
لكن إلى أي مدى ممكن لعقول الحكام العرب أن تتغير بالسرعة
المطلوبة ؟؟ هذا أمر يبدو من المستحيل تحقيقه بوقت قريب ...
لذلك يبقى الرهان الأكبر على وعي الشعوب العربية بدورها ووعي
الشعب الليبي ونخبه بدورهم ... وعلى استعدادهم للتضحية ،
الإنسان المعول عليه أن يتحرك هو الإنسان المتضرر ، الإنسان
الذي يهضم حقه وتدمر مصالحه ...
وكما استطاعت السلطة أن تجمع الأموال بالملايين
لتعويض لوكربي وغيرها من القضايا فهي بالتأكيد تستطيع أن توفر
لليبيين الحد الجيد من الدخل ... أن توفر نظاما تعليميا وصحيا
لائقا بهم ... وهذا لن يتحقق إلا بوجود شعب ليبي مستعد أن يضحي
في سبيل تحصيل حقوقه ...
المنارة : هناك من يرى أنه مثلما خيار الإسقاط
أصبح خيار بعيد عن الواقع ... فإن خيار الإصلاح هو أيضا
لايخرج من كونه
شعارا
جميلا
ورناناً
فقط وليس
له
مبررات
منطقية على أرض الواقع
، فإلى
أي مدى يجب أن تعول المعارضة الليبية على خيار الإصلاح ؟؟
أ . محمود الناكوع : برأيي أن كل الخيارات يجب
أن تظل مفتوحة ... من يطالب وفق قناعاته بالتغيير الشامل
فليستمر ... ومن يرى أن الإصلاح والدعوة إليه ... بكل الوسائل
المتوفرة والإمكانات المتاحة هو الصواب ... أيضا فليستمر ...
ويبقى المحك العملي هو الفاصل ...
الكل يرفع أفكار وشعارات ... وآراء يريد أن
يحولها إلى واقع ... وهذا بالتأكيد سيعتمد ... على العمل
المتواصل .. والجهد المبذول ... وعلى الخبرة وعلى نوع الوسائل
والأساليب المستخدمة ... لتحقيق الأهداف المطلوبة ... إذن
المحك العملي ... هو الاستمرار بالعمل ... سواء كان بالتغيير
الشامل ... أو التغيير الإصلاحي ... إضافة إلى أنه سيبين للناس
جدوى هذا الاتجاه من ذاك ...
المنارة : ما هي العوائق والتخوفات التي من
الممكن أن تقف بوجه الإصلاح ... سواء من النظام أو من داخل
المعارضة الليبية .. أو من الأطراف الخارجية ؟
أ. محمود الناكوع : الشيء المهم في عملية
الإصلاح أن تجد طرف آخر متجاوب معك فيما تدعو إليه ... يملك
المصداقية ويمكنه أن يمنحك الثقة بما يقول ... لأن النظام
بمؤسساته أوجد هوّة وفجوة كبيرة بينه وبين مواطنيه ... خلق
حالة من فقدان الثقة ... فالثقة مفقودة بالنظام ورجاله ... لأن
كل ما طرحه من كلام وشعارات منذ بداية الانقلاب وحتى الأن
تخالف الواقع سواء على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية ...
لكن لظروف خارجية تهدد وجوده قد يجبر النظام
على أن يسير باتجاه الإصلاح فليس دائما الجانب الأخلاقي
والمصداقية هو الذي يعول عليه لإحداث التغيير فمن الممكن أن
تحدث تغييرات كونية وتاريخية فتضغط باتجاه معين رغم انف من
بيده السلطة والقرار ...
المنارة : تكلمت أنه يجب استثمار دعوات الإصلاح
التي تأتي من الخارج ... أي بمعنى أن يكون هناك دور لأمريكا أو
بريطانيا ... هل أنت مع فكرة
تأسيس
(
ألفا
) ؟
أ. محمود الناكوع : أنا مع أي فكرة ممكن أن
تؤدي لتحقيق ولو مصلحة جزئية للشعب الليبي ، فالناس التي تحاول
تحقيق حضور فعّال داخل الدوائر الأمريكية والبريطانية
والأوروبية ... وإذا ممكن العربية ... وأمكن إقناع هذه الدوائر
بوجود مظالم وانتهاكات وفوضى في ليبيا ... ووظفوا حضورهم لكي
يثمر عن ضغط تقوم به هذه الدوائر لتغيير الواقع السييء نحو
الأفضل ... فهذا أمر جيد ... ، فأنا لا أعيب على أي شخص أو
مجموعة أن تستعمل ذكائها وقدراتها وإمكانياتها ... وموقعها
الجغرافي من اجل أن تضغط لإحداث إصلاح ... ولو كان جزئيا أو
مرحليا ... لصالح الشعب الليبي ... فكل عمل يكمل الأخر ... وكل
مرحلة تكمل المرحلة الأخرى ...
المنارة : هل خيار إسقاط النظام عبر الدبابة
الأمريكية لم يعد قائما بعد الخطوات المتسارعة للنظام الليبي
وانفتاحه
نحو الغرب ؟ أم انه ما زال هناك مخطط أو رغبة
لدى الدوائر الغربية خصوصا دول مثل بريطانيا وأمريكا لتغيير
النظام في ليبيا ؟
أ. محمود الناكوع : لا أظن أن هناك مخطط لتغيير
النظام تغييرا جذريا بطريقة المواجهة العسكرية المباشرة ...
ولكن ممكن أن يكون هناك توجه لتغيير مسار النظام وتعديله من
خلال ضغط يهدف لإجبار شخص القذافي على التخلي عن الحكم إذا رأو
أن وجوده سيعرض مصالحهم المستقبلية في المنطقة للخطر ... ممكن
ذلك ... وقد يتم عبر طرق مختلفة من الضغوطات ... قد يكون عبر
خلق نوع من اضطرابات داخل البلد ... ، لكن لا اعتقد أن أمريكا
المتورطة الأن في حرب أفغانستان وحرب العراق أنها ستفتح على
نفسها جبهة جديدة وتخوض حربا أخرى ... خصوصا إذا جاءت
الانتخابات بالديمقراطيين إلى سدة الحكم فإن الأمور ستتغير إلى
حد ما ... بالتأكيد العمل للمحافظة على المصالح الإقتصادية
والأمنية والإستراتيجية يبقى بالزخم نفسه ... الغرب كله يحكمه
هذا المنطق ... لكن ربما تعالج الأمور الأخرى عن طريق الضغوط
والمساومات والمناورات ...
المنارة : أ.محمود الناكوع
أنت من رواد الحركة الثقافية الليبية ... ولديك
اهتمام شخصي
بالمشهد
الثقافي الليبيي ... في السنوات القليلة الماضية كان هناك تطور
على مستوى المشهد الثقافي داخل ليبيا سواء في المطبوعات أو
المنشورات ...
وظهرت
بعض المشاركات الجريئة
التي تطالب بوضع حد لإهمال الدولة للثقافة
والمثقفين .
ما هو تعليقكم
على المشهد الثقافي
الحالي
... وكيف يمكن أن
توظف
مثل هذه الكتابات وحالة
الانتعاش الثقافي في
احداث انفراج داخلي
؟
أ.محمود
الناكوع : من خلال متابعتي المحدودة أرى أن الوضع تطور في
السنوات الأخيرة لكنه تطور محدود فالمقيم للواقع الثقافي
العربي ككل يخرج بنتيجة أنه مأساوي وقد تكون ليبيا هي الأكثر
مأساوية .
في تقرير التنمية البشرية الذي يعده مجموعة من
العلماء العرب يذكر أن ما ألف في العالم العربي في إحدى
السنوات حوالي 1700كتاب بينما في “ إسرائيل “ حوالي 1900كتاب
, ف” إسرائيل “ لوحدها (5-6مليون نسمة) تؤلف أكثر من مجموع
العالم العربي (أكثرمن270مليون نسمة ) والسؤال الذي يطرح نفسه
ما هو نصيب ليبيا من هذه الكتب ؟؟
بالتأكيد هناك محاولات في ليبيا ولكنها تقع ضمن
الإطار الأدبي والتاريخي
والاجتماعي
ولكن لا تمس الوضع السياسي أو التوعية السياسية إلا في إطار
محتشم أو محدودة جدا ,
وهذا أمر محبط جدا فالثقافة هي الأساس ووعي
الناس بحقوقها وإحساسها بالعزة والكرامة لا يكون إلا بوجود
ثقافة ناضجة ومبدعة ...وللأسف الهامش المتوفر محدود جدا سواء
على مستوى الجامعات أو في الصحافة أو في وسائل الإعلام الأخرى
,
نعم هناك مجموعات تحاول بقدر الإمكان أن تتحرك
بهذا الهامش فتلجأ إلى الأدب ...إلى التاريخ ... لكي تنفس
وتعبر عما في داخلها ,
لكن بصراحة يبقى الواقع الثقافي الحالي
...واقع مزري ومظلم ومؤلم ولن يغيره إلا حدوث إصلاح حقيقي يفتح
حرية التعبير والتفكير...يتيح للناس التحدث في المساجد... أن
يكتبوا في الصحافة...أن يتناقشوا في الندوات والجامعات...
بفكرٍ جديد ولجيلٍ جديد ...ينهي زمن الخوف والهلع الذي يعيشه
الناس هذه الأيام فهي لا تملك أن تتحدث ضد الك أن تتحدث ضد ا
منذ ثلاثين عاما أو يخرجوا عن نطاقاها...وكم يكون المشهد بائس
عندما تختتم كل الندوات على الفضائية الليبية ببرقية للقيادة
فيها من التعظيم والعبارات التي تخرج على أي منطق عقلي أو إطار
أخلاقي وهذا يدل على عمق الأزمة الأخلاقية والفكرية التي
تعيشها السلطة ...الناس لن تستطيع أن تواجه هذا الواقع مالم
يتغير ويعطي هامش أوسع للمثقفين والمفكرين الحقيقيين أن يبدعوا
ويتحدثوا ويكتبوا بكل حرية ودون قمع من أحد .
المنارة : كلمة أخيرة ... توجهها في هذا المقام
...
أ. محمود الناكوع : أرى أن الظروف الحالية توفر
لنا فرصة اعتبرها جيدة ,فالنظام يعاني من أزمة داخلية ودولية
... الداخلية هي فقدان الثقة بينه وبين الشعب ، والدولية هي
أيضا نتيجة لفقدانه الثقة بينه وبين النظام العالمي الجديد
...والظروف أجبرته أن يعترف بكل أخطائه للعالم الخارجي ...
وعليه أن يعترف بكل أخطائه للمجتمع الليبي ولعل هذه الفرصة
تدعو وتحرض المعارضين في الخارج بالذات ... باعتبار ما يتمتعوا
به من هامش في الحرية والتنقل ...أن يوحدوا موقفهم حول أهداف
معينة ومحددة من بينها كما أشرت هي التركيز والضغط بأن يتغير
هذا النظام الفوضوي إلى نظام دستوري يحترم حقوق الإنسان بشكل
واضح وأن يكون فيه جدية نحو هذا التغير.
على فصائل المعارضة وشخصياتها أن تصب اتصالاتها
وجهودها
في هذا الاتجاه وأن تتناسى الخلافات وأن يرتقي أسلوبها في
الحوار مع بعضها سواء المعلن منه وغير المعلن .... لكي يستطيع
أن يعبر أن هناك نخب جيدة وأن هناك نخب استوعبت المأساة التي
مررنا
بها في الداخل والخارج ... ونضجت وجديرة بأن تقوم بدورها في
المستقبل .
المنارة : شكرا لك أستاذ محمود الناكوع ونتمنى
أن نلقاك في لقاء آخر قريب.