استقبال العقيد القذافي .. بين أنصار الحرية وأنصار اليورو

سليمان دوغة - بروكسل – المنارة

لم يكن مشهد استقبال العقيد القذافي أول أمس مشهدا عاديا عندما كان يستعد للنزول من سيارته التي أقلته إلى مبنى البرلمان الأوروبي في العاصمة البلجكية بروكسل ليجد نفسه بين هتفات مؤيدة ذات لكنة أعجمية مصحوبة بدقات طبول ورقصات أفريقية اختلطت بصيحات تصرخ منددة بانتهاكات حقوق الانسان وتطالب بالافراج عن السجناء من حناجر ليبية جاءت من أماكن متفرقة من أوروبا، لايفصل بينهما سوىحاجز من الشرطة

 كل هذا وسط عشرات من المواطنين البلجكيين والسياح الأوروبيين الذين أغراهم مشهد فرق الرقص التي جيء بها من أدغال أفريقيا عملا بإحدى نظريات الكتاب الأخضر (( إن الشعوب لاتنسجم إلا مع فنونها وتراثها )) !! فوقفوا مشدوهين يبحثون عن سر العلاقة التي تجمع هؤلاء المؤيدين الأفارقة الذين كانوا يرتدون ملابس عليها صورة العقيد القذافي وهو يبتسم وبين شعارات ولافتات تصفه بالدكتاتور والمستبد.

" أنصار اليورو .. "

 هكذا أجابني " مراد " أحد المواطنين البلجيكيين من أصل جزائري عندما سألته هو ورفاقه الثلاثة مالذي يجعلكم تقفون مع هؤلاء المتظاهرين الليبيين فقال بغضب شديد : لم أكن أفكر في أن أقف يوما في اعتصام ليبي لولا مارأيته اليوم من "صفاقة وجه" وتصرف غير لائق قام به مجموعة من المسؤولين الليبين وبعض المغاربة الذين كانوا يقفوا خارج الاعتصام ويعرضون مبلغ 30 يورو على المارة العرب والأفارقة مقابل ساعتين يهتفون فيها بحياة العقيد القذافي فاخترت الوقوف مع أنصار الحرية نكاية في أنصار اليورو ..

حديث " مراد " دفعني فورا كي أتحقق مما يقول فسألت فتاة من نيجيريا تقف وهي ترتدي قميصا عليه صورة العقيد القذافي هل أنت معجبة بالعقيد قالت وهي تضحك :لم يكن لدي أي رغبة في المجئ لولا صديقتي "الملعونة" والتي أقنعتني ب 30 يوروا ... أنا في الحقيقة معجبة باليوروا التي تأتينا من جيب القذافي .. واستمرت في الضحك

الطلبة الليبييون وقصة التأييد ..

في الجهة الأخرى من المبنى الأوروبي الضخم كان هناك مايقرب عن مئتي ليبي يرفعون لوحات مؤيدة للعقيد القذافي يتجولون بها وسط حديقة كبيرة، أحد المتظاهرين الليبين قال لي بأنه رأى قريبا له يقف على الجهة الأخرى " المؤيدة " وعندما سألته مالذي جاء بهؤلاء الطلبة من جامعاتهم ومعهادهم قال : هؤلاء من الطلبة " المساكين " الذين يدرسون في الخارج وخصوصا في ألمانيا يقودهم مجموعة من الطلبة التابعين لمكتب اللجان الثورية وقد هددهم النظام بقطع منحهم اذا لم يشاركوا في حملة التأييد هذه، ووفرت لهم السلطات الليبية تذاكر مجانية وفندقا كاملا على حسابهم هم والأفارقة الذي وصفهم عبد القادر " ليبي مقيم في سويسرا " : "بالمرتزقة "

مواجهة بين المؤيدين والمعارضين

أثناء جولتهم في الحديقة المقابلة للمبنى الضخم بدأ أنصار العقيد يسحبون الطلبة من الحديقة إلى خارجها ولكن في اتجاه المتظاهرين الليبيين مما يعني أن اشتباكا سوف يقع لامحال بين المؤيدين والمعارضين، وبالفعل حصل مالم يكن متوقعا أبدا وقف أنصار العقيد القذافي وهم يهتفون بحياة العقيد وجها لوجه أمام المعارضين الذين كانوا عددهم يزيد باستمرار بسبب التعاطف الذي أبداه كثير من العرب المقيمين في بلجيكا وبسبب توافد أعداد كبيرة من المعارضين الذين بدؤو يصلون من بلدان اوروبية عديدة كبريطانيا وسويسرا وألمانيا وهولندا

قوات الشرطة كانت مشغولة تماما وسط طبول الأفارقة ورقصاتهم التي لم تتوقف طيلة الساعتين  ولم تكن تعلم بأن بعضا من أعضاء اللجان الثورية استدرجو مجموعة من الطلبة إلى الجهة الأخرى التي كان يقف فيها قرابة مئتي شخص من المتظاهرين الأمر الذي ينذر بحدوث اشتباكات بين مؤيدي النظام والمعارضين قد تؤدي إلى حوادث مؤلمة كالتي وقعت في مظاهرة سنة 84 أمام السفارة الليبية في لندن أسفرت عن قتل الشرطية البريطانية ( فلاتشر ) وجرح عدد من المعارضين الليبيين.

اقترب الفريقان من بعضهما حتى أنه أصبح لايفصل بينهما سوى بضع أمتار، كان المؤيدون يهتفون : القذافي القذافي .. أما المتظاهرون الذين اختلطت أصواتهم بأصوات أطفالهم ونسائهم يهتفون : ليبيا ليبيا وكان أحدهم يرفع صور القذافي بينما الاخرين يرفعون صور ليبيا

حقاً كان المنظر أشبه بمشجعي فريقين أحدهم يدعى القذافي والاخر ليبيا

نحن طلبة .. نحن ليبيين

أغلب الطلبة الليبيين كانوا ينظرون بدهشة واعجاب في آن واحد وعلامات الفرح تظهر على وجوههم وهم ينسحبون إلى الخلف كي لاتظهر صورهم أمام كاميرات الصحافة بينما المتظاهرين الاخرين كانوا يصيحون بأعلى أصواتهم وهم مكشوفي الوجوه : يالقاقة يالقاقة (كلمة ليبية تعني يامنافقين يامنافقين)

اقتربت من أحد المؤيدين الذي انسحب إلى الخلف وكان يغطي وجهه بلوحة كتب عليها: بالروح بالدم نفديك ياعقيد فسألته لماذا تنسحب إلى الخلف وأنت ترفع مثل هذا الشعار فالتفت يمينا وشمالا وكان في غاية الارتباك قال بكلمات متقطعة وكأنه يريد أن يبوح لي بشء خاص.. نحن طلبة ..نحن ليبيين .. حاولت أن أشرح له بأنني صحفي ليس لي علاقة بأي طرف غير أنه رفض أن يزيد على هذه الكلمات شيئا وانسحب فورا، أدركت لاحقا بأنه وغيره من الطلبة لم يكونوا قادرين على الحديث للصحافة، كما أخبرني أحد المحامين الليبيين الذي ألتقى بأحد أقاربه وهو يغطي وجهه استحياء من أن يتعرف عليه وهو يرفع لافتات تؤيد النظام.

بعد أكثر من عشر دقائق حاصرت قوات خاصة ومذراعات المكان وفرقت المؤيدين والمعارضين الذين تمالكوا أنفسهم خصوصا بعد أن رأو أقاربهم وأصدقاءهم الطلبة ينسحبون إلى الخلف ولم يبقى في الأمام سوى أفراد قليلة أطلق عليهم أحد المتظاهرين الليبين بالمنتفعين الثوريين

أما المتظاهرون الليبييون فيبدو أنهم كانوا يعيشون حالة من النشوة الغير عادية وهم يغنون ويرددون خلف طفل ليبي ( حمزة ) ذو صوت عذب ورقيق :

 عاشت ليبيا حرة لنا

وعاشت أرضها لليبيين

فرددوا وقولوا

فرددو وقولوا

 ليبيا لنا

 لا للثوريين ...

ليبيا لنا

لا للثوريين ..

 

 

 

 
 

مواضيع متعلقة

الخبر في القدس العربي pdf

 

الخبر في القدس العربي text

 
 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة لمؤسسة المنارة للإعلام
الموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة