
طرابلس الغرب ـ خدمة قدس برس:
لم تعد ظاهرة التسول في ليبيا حكرا علي الوافدين من بعض دول الجوار
الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلدانهم فاتجهوا إليها بحثا عن عمل أو
مهنة للتكسب.
مثل هذا الامر قد يبدو غريبا في بلد نفطي. لمنه يصبح مفهوما عندما نعلم
انه منذ اتجاه ليبيا الي تحرير اقتصادها حدث ارتفاع كبير لتكاليف
المعيشة بسبب غلاء الأسعار في بلد ظلت فيه أجور ورواتب المستخدمين
جامدة لا تتزحزح منذ قرابة ربع قرن.
ظاهرة التسول هذه باتت مشهدا عاديا. ولم تعد تثير استغراب الليبيين
كثيرا، مثلما كان واقع الحال! قبل عقدين أو ثلاثة.
ولم يعد مستغربا اليوم أن تجد امرأة أو عجوزا أو شيخا أو رجلا أو حتي
شابا يقف أمام مسجد أو مستشفي و سوق عام يمد يده طالبا العون
والمساعدة، لأسباب ومبررات مختلفة بعضها تعكس حالة أب تراكمت عليه
الديون من كل حدب وصوب فأثقلت كاهله، وبعضها يروي قصة موظف لم يستلم
مرتبه منذ شهور طويلة فتقطعت به السبل، وأخري تحكي قصة أرملة رحل عنها
الزوج وترك خلفه اطفالا صغارا.

استحقاقات
التحول
ويعتقد كثيرون أن سياسات تحويل الاقتصاد التي يقودها رئيس الوزراء
الليبي الدكتور شكري غانم من القطاع العام إلي القطاع الخاص ألزمت
المواطن أن يتحمل جملة من الاستحقاقات الجديدة لملاءمة هذا التحول
وعبئا ثقيلا علي كاهله المثقل في الأصل.
وعلي رأس قرارات التحول الاقتصادي رفع الدعم الحكومي عن سلع التموين
الأساسية كالزيت والطماطم والسكر والطحين ورفع أسعار الكهرباء والماء
والوقود بجميع أشكاله.
ومن القرارات التي ستزيد من اعباء المواطنين كما يري عدد من المراقبين
قرار حل معظم الشركات والمؤسسات العامة التي ظلت مصدر رزق لعشرات
الآلاف من الموظفين في وقت كانت الدولة تحظر فيه جميع أنواع النشاط
الفردي.
وسيؤدي حل المؤسسات العامة الي زيادة اعداد العاطلين عن العمل.
ويبرر رئيس الوزراء غانم هذه السياسات بالقول أن الخزانة العامة أصبحت
عاجزة عن تسديد مرتبات ما لا يقل عن 800 ألف موظف بينهم 400 ألف فقط في
مجال التعليم. كما باتت الخزانة العامة عاجزة تماما عن توفير أي فرص
عمل جديدة للأعداد الكبيرة من الخريجين الباحثين عن عمل.
ويعمل حوالي 60% من مجموع العاملين الليبيين في مؤسسات وشركات الدولة.
المبررات التي تطرحها الحكومة لتحويل الاقتصاد لم تقنع كثيرا من
المحللين ولا الشارع الليبي، الذي بات يعرف أن بلاده تنتج ما يقرب عن
مليوني برميل نفط يوميا، وأن أسعار النفط تشهد ارتفاعا غير مسبوق! توفر
منه الخزينة العامة مليارات الدولارات سنويا.
ففائض النفط بلغ حسب قول الزعيم الليبي معمر القذافي 7 مليارات لعام
2005.
فضيحة
الأكواخ..!!
ظاهرة الفقر بلغت حدا لم يعد التكتم عليه يجدي السلطات الليبية التي
وجدت نفسها مجبرة وعلي لسان العقيد القذافي بالاعتراف رسميا وفي أكثر
من مناسبة بوجود مليون ليبي فقير. كما أن رئيس الحكومة الدكتور شكري
غانم أشار إلي وجود قرابة 180 ألف أسرة تعيش علي 100 دينار ليبي (75
دولارا) الأمر الذي يعني أن خمس سكان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر، إلي
جانب بطالة بلغت 30 في المئة، أي ما لا يقل عن مليون ليبي عاطل عن
العمل.
في برنامج بثته القناة الليبية الرسمية )الجماهيرية) مؤخرا كشفت لأول
مرة عن وجود عائلات ليبية تعيش داخل أكواخ من الصفيح والخشب وفي وضع
صعب للغاية بدون ماء ولا كهرباء ولمدة تجاوزت بعض حالاتها 10 سنوات.
الصور التي عرضتها الفضائية الليبية هزت الشارع وصدمت كثيرين ممن
شاهدوا عجوزا يقترب عمرها من 70 عاما وهي تجلس علي درجات منزل مرقع من
صفيح وخشب متهالك.
هذه الصور اعتبرها عدد من المراقبين فضيحة في دولة تنتج ما يقرب من
مليوني برميل يوميا من النفط عالي الجودة.

دراسة
ميدانية
وتدور في خلد كثير من المراقبين ممن يرصدون هذا التراجع عن كثب أسئلة
محيرة، من نوع كيف يمكن لمواطن ان يعيل اسرة مكونة من 5 افراد بـ 75
دولارا شهريا.
للجواب علي هذا النوع من الأسئلة اختار أحد الباحثين الليبيين عينة من
الأسر المكونة من أب وأم وأربعة أبناء وأجري دراسته عليها، مفترضا أنها
تمتلك مسبقا مسكنا متوسط الأثاث وسيارة متواضعة الحال. كما افترض أن
الأب والأم يعملان في مجال التدريس وأن مرتبهما هو 400 دينار. فهل سيسد
هذا حاجات الأسرة الأساسية؟
يقول الدكتور أيمن سيف النصر في دراسة نشرتها مجلة )أفق) الاقتصادية
مؤخرا ان مصاريف هذه الأسرة التي سنفترضها تشترط علي الأب مثلا أن يكون
رجلا صالحا لا يدخن ولا يحتاج إلي أي نفقات زائدة للمقاهي وأن الأم
ليست من الناشطات اجتماعيا )منعزلة) ولا تزور الناس ولا تكلف نفسها
شراء الهدايا في المناسبات المختلفة التي لا تنتهي، وأن هذه الأسرة لا
تمتلك شبابا أو بنات في سن الزواج، وأن الأبناء لا يكلفون آباءهم أي
دروس خصوصية، ولا يتنزهون في الأماكن الخاصة ليكلفوا والدهم ثمن الجلوس
في المقاهي لا سمح الله، ولا يمارسون رياضات تحتاج إلي اشتراك شهري
مثلا، ولا يفكرون في شراء ألعاب إلكترونية أو جهاز كمبيوتر .
فهذه الأسرة وفقا لاشتراطات الباحث سوف تحتاج الي ما يلي:
12 رغيف خبز يوميا بقيمة 18 دينارا ليبيا شهريا. كما ستحتاج من 3 إلي 6
بيضات يوميا بقيمة 12 دينارا شهريا، وإلي لتر حليب يوميا أي بقيمة 30
دينار شهريا. كما ستحتاج إلي سكر وزيت وطماطم وشاي ودقيق وسميد وأرز
ومكرونة، والاخيرة هي الوجبة الرئيسية لدي الليبيين، بتكلفة 40 دينارا
شهريا. وسوف تحتاج إلي خضار بقيمة 40 دينارا شهريا وفواكه تقتصر علي
الموسميات منها فقط 10 دنانير شهريا.
وحسب رأي الدكتور سيف النصر فإن الأسرة تحتاج إلي نصف كيلوغرام يوميا
من اللحوم أو دجاجة علي أقل تقدير (2 الي 5 دنانير يوميا). ويستثني
السمك.
أما مصاريف المنزل كمواد التنظيف التي تتجاوز في أضيق الحدود 30 دينارا
شهريا، ومصروف السيارة سوف يكلف شهريا 40 دينارا بين وقود وزيوت، ولن
يكون هناك أي أمل في إصلاحها أو صيانتها لو تعطلت. إلي جانب مصروف
الكهرباء والماء والهاتف والمقدر بـ 30 دينارا شهريا.
ناهيك عن مصاريف المدرسة للأبناء من حقائب ومستلزمات مدرسية وقرطاسية
ومصروف يومي وأجرة باص أو ركوب عام والتي تصل إلي ما مجموعه 150 دينارا
شهريا.
أما بالنسبة للكساء والملابس فقد افترض الباحث أن الأسرة المكونة من 6
أفراد سوف تحتاج إلي كسوتين فقط في السنة، واحدة للصيف وأخري للشتاء،
وثالثة غير محسوبة هي كسوة العيد. وتبلغ كلفة كل هذه 70 دينارا شهريا،
وبالإضافة إلي دواء زكام وبرد تحتاج إلي 5 دنانير شهريا.
وعلي الرغم من أن الباحث استثني مصروفات الطوارئ مثل مرض يستلزم نقلا
سريعا إلي إحدي مستشفيات تونس، فإن المحصلة الإجمالية سوف تصل إلي 500
دينار ليبي. أي أن الأسرة الليبية التي لا يتجاوز متوسط دخلها اليوم
200 دينار لم تعد قادرة علي العيش بأقل من 500 دينار.
تعددت المصاريف والإفلاس واحد هذا هو لسان حال أغلب الليبيين الذين
تأقلموا مع حياتهم الجديدة، وأصبحوا يتعايشون معها بنكت وطرائف تقول
آخرها إن مذيعا في إحدي الدول المجاورة اتصل به أحد الليبيين للاشتراك
في مسابقة فسأله المذيع ساخرا: أخبرنا عن أغني دولة وشعبها أفقر شعب.