
لا أزعم أني من المتتبعين لأخبار الفنون بشكل دقيق، ولكن لأول
مرة أسمع أن للسيد عبد الرحمن شلقم أمين اللجنة الشعبية العامة
للإتصال الخارجي، الذي يقود الدبلوماسية الليبية بحكم منصبه في
أكثر من تشكيلة وزارية، لأول مرة نسمع أنه شاعر وله ديوان يلفت
إنتباه الغربين ويلقى حفاوة بلغارية خاصة، تدفعهم للحماسة لنقل
ديوان شعره " أسرار" إلى لغتهم ويكتشفوا اليوم القيمة الفنية
فيه، ويسعوا في استضافته كي يُدشن بنفسه هذا العمل في صوفيا
منتصف الشهر الجاري، و ليس المجال هنا لمناقشة القيم الفنية
والبلاغية لهذا العمل مهما كان، ولكن بدون شك الإهتمام البلغاري
بديوان رجل في منصبه ومكانته يدعو للتفكير، فالدعوة تخرج علينا
في سياق أحداث يصعب على المتتبع أن يدير لها ظهره!
القضية بين أيدينا اليوم هي قضية رجل يفترض فيه أنه موتور! و
واتره يدعوه لحفلة شعر وفرح ومرح بدل أن يواسيه ويعزيه ويراعي
شعوره بالمأساة التي يعيشها! أو يدعوة لجلسة عمل وتباحث وتسوية
ونظر في الأزمة، والتي يفترض أنها تطيح بأي حكومة تفرط فيها
بالتكاسل أو المساومة، إن دور السيد الأمين هو رعاية مصالح
مواطنيه المتعلقة بأي طرف خارجي والدفاع عنها، وسيكون من الصعب
فهم موقف أي وزير خارجية في أي بلد في العالم يقف على الحياد
تجاه أي قضية يكون أحد مواطنيه طرفا فيها، سواء أكان ظالما أو
مظلوما، لأن مهمته محصوره في الدفاع عنه وحمايته واخذ حقه
وانصافه إن كان مظلوم، والدفاع عليه وانصافه وحمايته أن يعتدى
على أي حق من حقوقه الإنسانية إن كان ظالما أيضا من توفير ظروف
محاكمة شفافة ونزيهة وعادلة، ومعاملة إنسانية على كل حال.
ولكن الظاهر أن البلغار يعتبرون أن الوقت مناسب جدا لتوجيه دعوة
مريبة مثل هذه لرجل في محل السيد الأمين؟ لو تصورنا أن إنسان
يقتل أبن إنسان آخر ثم يدعوة لمشاهدة مسرحية كوميدية
أو رومانسية، لا شك أنها ستكون دعوة تثير الإشمئزاز بدون أدني
شك، لا يكفي فيها الصمت عن الإستجابة، ولا مجرد رفضها، بل يجب أن
يضع حدا لهذا العبث والإستهزاء بدماء أبنائنا! هؤلاء القوم
يريدوا أن يقولوا لنا لأن الأمر بيننا وبينهم لا يحتمل رفض مثل
هذه الدعوة لأنهم لا يرون أن هناك قضية بيننا وبينهم، لأن
إن كان ثمة قضية فهي ستحسم بوسائل الضغط التي ستمارسها الحكومات
الأوروبية والإدارة الأمريكية على النظام الليبي وتلوى ذراعه تحت
وطأة حرص النظام أن يرفع اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة
فلإرهاب ويحصل على شهادة حسن سيرة وسلوك من مختار محلة واشنطن، و
الإلتحاق بمسار برشلونة وكل مشاريع الشراكة المزعومة بين الدول
الأوروبية والدول المتوسطية!، نعم يعتقدوا أن الأمور ليست مجرد
عادية جدا بل على ما يرام ولديهم من الجراءة بالقدر الذي يسمح
لهم بتوجيه دعوة غير كريمة إلى أمسية شعرية في يوم تأبين أطفالنا
من جراء ما اقترفته أيادي مواطنيهم، كأن الأمر مفروغ منه ولا
علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالمأساة القائمة على أرض
الواقع، لا علاقة لهم بمأساتنا وفجيعتنا!، طبيعي ليس من المعقول
أن نعطل كل الدولة ونرفض دعوة تأتينا من جمهورية الصين الشعبية
للمشاركة في احتفال ما إذا كان هذا تقليد متبع بيننا وبينهم!،
نظرا لكون الجناة ليسوا مواطنين صينين! أما أن توجه لنا الدعوة
من بلغاريا فهذا يعني قمة التبجح والسخرية منا فعلا وعدم مراعاة
حتى مشاعرنا وحزننا.
يا سعادة الأمين كان من المفروض ان تنشط دبلوماسيتك ولا تترك
اصدقاءنا نهبا لدبلوماسية بلغارية نشطة تجعل ستة من النواب في
البرلمان الأوروبي يتحركوا لحشد التاييد لمشروع ضغط في البرلمان
من أجل إطلاق سراح الجناة، هؤلاء النواب يا سعادة الأمين لدولهم
مصالح حيوية عندنا، غريب أن لا تسعي دبلوماسيتك في توظيفها
كوسائل ضغط معاكس وتقتحم أروقة الساسة الأوربين وتشرح لهم الموقف
وعدالة قضية مواطنيك الضحايا، ولا تجعل القرار الأوروبي نهبا
لأغراض الدبلوماسية البلغارية، هذا أظنه بسبب الكسل الذي تعاني
منه دبلوماسيتنا في هذه القضية، أين النشاط الدبلوماسي عربيا
وإسلاميا وأفريقيا؟ أين حشد الموقف وتعريف الأصدقاء والحلفاء؟
لأي يوم يا ترى ندخرهم؟ هل تتوقع يوم كرية أكبر من أن ترى 426 من
فلذات كبدك أمامك يقطفهم الموت واحد تلو الاخر؟
قد يدفعك سعادة الأمين موقف من يحرض الغرب على النظام لتوريط
النظام في صدام يظن أنه يستفيد منه! ولم يعد قادر على التفريق
بين النظام والدولة! ولا تداعيات هذا المسلك على مستقبل الأجيال،
فقد البوصلة فالتيار يجرفه نحو الصخور ليحطمه في ظلمة الليل
السياسي لبلادنا، كما رفع بعض الغرباء عقيرته بذلك لتوريطه في
توفير الغطاء الشرعي للتدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية،
ومحاولته الغير مجدية في التفريق بين رجال القضاء والجهاز
القضائي، قد يدفعك مثل هذا الموقف المرفوض من قبل أهالى الضحايا
أنفسهم الذين يعولون على القضاء الليبي رجالا وجهازا ويثقون في
قدرتهم على إنصافهم، كما أعلن ذلك مرارا وتكرارا المتحدث الرسمي
باسمهم السيد إدريس لاغا، في أحاديثه
وكتاباته المختلفة، وأنا اضم صوتي إلى صوتهم في تأييد القضاء
الليبي والدفاع عنه ورفض أي محاولة للتدخل في شؤون لا من قبل
الغرب ولا من قبل حتى المؤتمرات الشعبية، ولا من قبل الشرعية
الثورية، يجب علينا جميعا أن نسند قضاءنا ولا نخذله، وهذا ما يجب
ان تنتبه له المؤتمرات الشعبية المنعقدة الان، يجب أن ترسل
ببرقية فخار واحترام للقضاء وتعلن أنها تقف معه ولن تخذله إذا
أرادت هذه المؤتمرات أن تحافظ على آخر معقل من معاقل الدولة وإلا
سينهار السقف على رؤوس الجميع وسيخسر الجميع ولن يبقى من الوطن
أي شيء أو معنى نختلف عليه أو نتفق بعد ذلك، قد تندفع سعادة
الأمين بحماسة لإحتواء هذا التوجه بتوجيه ضربة استباقية لقطع
الطريق عليه، ولكنك بذلك ستفرط بدورك في دماء أبناء بلدك، وستضيع
حقوقهم وهو أمر لن تجد أي ليبي حر أو أي ليبية حرة توافقك عليه و
ترضى به، حتى وإن لم تسمع اصواتهم، نرفضه جميعا مهما كانت الجهة
التي يصدر عنها.
سعادة الأمين من حقك أن تذهب لتدشين ديوان أشعارك، ولكن لا يليق
أن تفعل هذا حين تفعل وأنت تترأس دبلوماسية بلد هو في حالة
إشتباك قانوني مع البلد المضيف، أظن أنك بين خيارين إما أن تؤجل
النظر في هذه الدعوة الآن وتلفت نظر من وجهها إليك إلى حساسية
الموقف وأنه لم يكن من اللباقة والحصافة السياسية أن يوجه لك مثل
هذه الدعوة في مثل هذه الظروف، وذلك اضعف الإيمان!، ثم تذهب بعد
أن يقول قضاء بلادك كلمته وتنتهي الخصومة بالشكل الذي يرضى
أولادنا وأبائهم وأمهاتهم ونحن معهم على قدم المساواة،
لك أن تذهب حينها وتسمعهم كل الدواوين ليس ديوان الأسرار فقط إن
ظل عندهم نفس الإهتمام به!، أما إذا كنت ترى أنها فرصة مناسبة
لك، وعزمت أن تقبل الدعوة اليوم فكم أتمنى أن تفعل إذا فعلت وأنت
خارج الدبلوماسية الليبية، أتركها استقيل من وظيفتك، لأنه سيكون
من الصعب عليك أن تبرر موقفك حينها! وفي أي جانب تقف!.
سعادة الأمين ربما لم تسمع هذا الكلام من قبل ولكن قد بلغ السيل
الزبا كما يقال، والمصاب عظيم وجرحنا لا يعلم به إلا الله،
ومأساتنا في شتات أمرنا ربما أكبر من مأساتنا في حقن أبنائنا
والغدر بنا.
أرجو ان لا يحمل كلامي هذا على أنه دفاع عن أحد او طعن في أحد،
ولكنه خلاف في وجهات النظر واجتهاد بشري اسعى من خلاله أن احذر
أبناء بلدي مهما اختلفت مواقعنا ورؤانا ومنطلقاتنا، وقضية وطنية
يجب أن لا تشتبك بغيرها من القضايا السياسية التي نختلف عليها،
مهما كانت حدة وشدة الإختلاف بيننا وعمق وضخامة الهوة، وإنحياز
كامل لقضية أبنائنا وحقهم الكامل في أن يعترف الجناة بجرمهم
وتثبت عليهم أحكام العدالة، ثم الدعوة إلى الإستماع إلى صوت
العقل ولا نجعل عواطفنا تسيطر على أدائنا فنحن لسنا في عالم
معزول عنا بل نحن شركاء مع آخرين فإذا ما اشتبكنا معهم يوما ما
يجب أن نسعى لحل هذا الإشتباك بطرق حضارية سلمية لا تجازف بمصالح
البلاد الحيوية ولا تدفع بها إلى شفير هاوية من النزاعات
الإقليمة وهي غير قادرة عليها، وهذا ليس دعوة للتفريط في شيء من
حقوق أبنائنا ولكن هي دعوة لإخواني وأخواتي أوليا أمور أبنائنا
المغدور بهم، إذهبوا إلى علمائنا ومشايخنا في داخل البلاد وهم
بفضل الله كثر وعلى كفاءة عالية، وشاركوهم في الأمر وخذوا منهم
المشورة الشرعية والنصح والرأى الحصيف، وستجدوا في أرائهم المخرج
من كل معضلة والرأي الذي ينصف ويضع الأمور في نصابها. ونحن طوع
بنانكم فيما تأمورونا به كي نساند القضية وندعمها جميعا ونحمل
معكم الحمل فلا تضيع دماء أبنائنا هدر في دلاهيز الساسة.
دمتم بخير.... والسلام عليكم
صلاح الدين الشلوي
اقرأ ايضا للكاتب :