نشاطات البالتوك

قضية الإيدز قضية وطنية ولكن!!!
أين في بلغاريا أم في ليبيا ؟
بقلم صلاح الدين الشلوي

المنارة  - 12/11/2005



 



قدر لمأساة أطفالنا المحقونين بفيروس الإيدز أن تكون اختبار لشعبين، شعب الضحايا وشعب الجناة.. فكيف تناول الليبيون شعبا وسلطات رسمية وقيادات ونخب ومعارضة القضية؟ وكيف تعاطى البلغار شعبا وسلطات رسمية وقيادات ونخب ومعارضة القضية؟
في التاريخ السياسي المعاصر شاهدنا حكومات بارعة في القفز على الازمة لتجاوز أزمات قومية كبرى بأن عمد إلى افتعال معركة ما أو عدو ما كي تحشد الرأى العام الداخلي تجاهه وتصرفه عن واقع الأزمة الطاحنة التي ترزح تحت وطاتها البلاد والمواطن، ولعل إدارة المحافظون الجدد أبرع تلك الحكومات على الإطلاق في زماننا هذا. ولكن أن تمر بأمة من الأمم أزمة حقيقية غير مفتعلة وكبرى، ثم تتشتت قواها ووجهات نظر أبنائها تجاهها حتى ينحاز جزء من أبنائها لجهة العدو، أو يعتبرون أنفسهم على الحياد في أحسن أحوال وعيهم، فإن هذا مؤشر على عمق الأزمة التي تعيشها هذه الأمة التي لا ترى أن بينها أي قدر مشترك على الإطلاق!، كأنهم ليس بينهم أي معني للوطن مطلاقا وبإصرار منقطع النظير.

وقعت الواقعة.. الزلزال.. ووجدنا باقة من براعم وزهور وثمرات في أكمامها تعصف بها رياح عاصفة غيلة وغدر... فذهلنا وغاب البعض منا عن وعيه وتاه في بيداء الخرافة والحكايات المختلقة ولم يقفوا على أي عنصر من عناصر الحقيقة فيما يجرى بين ظهرانيهم!.
أصيبت فلذات أكبادنا الواحد تلو الآخر وبدأ خبرهم يتسرب إلى مجالس أسمارنا ثم على صار حيث لقاءات وندوات وجهات رسمية، ويومها كان إصبع الإتهام يشير إلى الإهمال والتسيب والحصار وغيرها من المشاجب التي كان من السهل أن تختزل فيها المأساة.
جريدة(لا) التقت في وقت مبكر في عددها 78-نوفمبر1998م مع مدير المستشفى المنكوب، ولم تقدم أكثر من إعلان رسمي عن الكارثة وإن لم تكن يومها قد ظهرت بحجمها الذي نعرفه اليوم، ثم كشف لقاء الأخ أمين اللجنة الشعبية العامة للصحة الأخ إبراهيم الغماري فلم يقدم أكثر من البعد السياسي للكارثة والمتمثل في الخجل الرسمي للسلطات الرسمية من الإعلان عن الكارثة لأنهم كانوا قد تلقوا بلاغ من قبل عن ظهور حالة جدري في بنغازي، المرض الذي إعلن العالم أنه قضى عليه الأمر الذي كان يمثل فضيحة سياسية محرجة للسلطات الرسمية في المحافل الدولية، وزامنها على حد قوله بلاغ عن حالة وباء (إيبولا) ولكنهم اكتشفوا أنها بلاغات عارية عن الصحة وحمدوا الله أنهم لم يثيروا زوبعة كانوا في غني عنها، هذا من الناحية السياسية أما من الناحية الواقعي فلم يجد الأخ أمين اللجنة الشعبية العامة للصحة ما يبرر فيه التأخر في الإعلان سوى القول أننا لسنا أمام وباء مثل وباء الكوليرا يمكن أن نواجهه بالمضادات حتى وأن كان البلاغ غير صحيح!! أما وقد وقعت الفأس في الرأس وأنهم ليس لديهم علاج للمصابين فلم يكن هناك حافز قوى الظاهر كي يعلنوا ويتحركوا الحركة المناسبة!!. والحقيقة يصعب جدا أن تربط علاقة بين عدم وجود علاج للمرض وبين التأخر في التحرك والإعلان، ولكن على كل حال كانت هذه هي الإجابة التي تلقتها جريد (لا) في عددها 78 نوفمبر1998م من الأخ أمين اللجنة الشعبية العامة للصحة يومها بمقر عمله بسرت.
ثم اختفت القضية عن الأنظار وتولتها أجهزة البحث الجنائي يعاونهم مجموعة من الأطباء وأخصائي التحليل والممرضين ذكورا وإناثا. وبدا يتسرب كلام غير رسمي أن النكبة وراءها جريمة جنائية!! وكانت الطامة الكبرى، ما الذي جنته أيادي طاهرة كي تبسط لها يدا بالغدار؟ ولم يكن هناك أي تفسير يبدد علامات الإستفهام. ولكن بتقديم الجناة إلى مكتب الإدعاء الشعبي الذي رفض النظر في القضية واعتبرها قضية جنائية ولا علاقة لها بالأمن القومي للبلاد!! وبالتالي لا تدخل في دائرة اختصاصه!!، فأحيلت القضية إلى القضاء العادي ومرت بمراحل اعتيادية وحضر جلسات المحكمة ممثلين عن حكومة الجناة وسفراء دول أخرى أو ممثلين عنها، لأنها قضية رأي عام وقضية لها علاقة بالسياسة الخارجية ولصيقة الصلة بالأمن القومي وليس كما توهمت محكمة الشعب الإستثنائية أنها قضية جنائية صرفة، وهذا واضح من إجابة المقدم المشري الذي كان متهم في قضية تعذيب الجناة، حيث صرح لمراسل ليبيا اليوم عشية حكم المحكمة ببراءته من تهمة ممارسة التعذيب والإكراه على الجناة حيث جاء جوابه عن مدى صحة ما يقال عن ضلوع لأجهزة استخبارات أجنبية في توظيف الجناة للقيام بهذه العملية الآثمة بهدف إثارة قلاقل فأجاب بالقول" نعم توجد تأكيدات على ذلك والوقت غير مناسب للحديث عن هذا" ومن هنا يتضح لنا بأن القضية عبارة عن جبل الثلج لم نرى منه إلا ثمن حجمه الحقيقي فقط والباقي يغطس تحت الماء لم نراه بعد.
أما إذا ذهبت لوسائل الإعلام الرسمية لتنور عقلك وتتزود بالحقائق الموضوعية والأدلة المادية حول القضية فإنك ستجد صمتا كصمت القبور غير مبرر ولا مقبول بحال تجاه قضية وطنية من أبرز قضايا الرأي العام المحلي، يتكلم فيها كل فصيح وعيي إلا فضائيتنا و وكالة أنبائنا و كراديس صحفنا الرسمية بمختلف مسمياتها، إذا استثنينا جريد (لا) التي خرجت عن النص وكسرت حجاب الصمت وحققت ميدانيا وقابلت وفتحت ملف بذلك قبل أن تحجب وتختفي وتلفظ أنفاسها الأخيرة. أما إعلامنا غير الرسمي والمتمثل في المواقع الليبية على شبكة المعلومات الدولية(الإنترنت) فقد أفسح المجال للحديث وتناول القضية ولكن ليس على أساس أنها قضية وطنية عليا بل على أساس أنها فرصة للنيل من الخصم السياسي، إلا من رحم ربي.

فبينما وقفت أجهزة الإعلامي الرسمي صامتة، شكك الإعلام الغير رسمي في البعد الجنائي الذي كشفت عنه جهاز البحث الجنائي، الذي لم يكن يعلم عن المتهمين شيء وبدأ في تسليط الضوء على تواريخ تردد الأطفال المنكوين على المستشفى، فلم يجد كبير عناء أن يسلط الضوء على مجموعة الجناة لأن الحالات المصابة ترددت على المستشفى في فترات دوام هذه المجموعة دون غيرها، ثم الأدوات التي وجدت في بيت الجانية الثانية والجاني الأول تعتبر أدلة مادية يصعب على القضاء اسقاطها، ثم استبعاد احتمال الإهمال كسبب لأن الإهمال ليس خاص بقسم دون قسم ولا مستشفى دون مستشفى فلماذا النكبة حدثت في مستشفى واحد من دون سائر المستشفيات؟ وأثناء دوام مجموعة واحدة من دون سائر المجموعات المتناوبة على القسم؟ حتى الحالات التي اكتشفت خارج مدينة بنغازي ثبت أنها ترددت على المستشفى في ظل نفس الظروف!. طبعا حاول محامي الدفاع أن يدفع بالطعن أن هناك نقص في الأجهزة وسمى جهاز من الأجهزة التي تستخدم للعلاج لا تلك التي تستخدم للتحليل والكشف عنه، كمحاولة للطعن في حيثيات الحكم، ولكنه لم يفلح، وتهاوت آخر آماله بعد حكم المحكمة ببراءة المقدم المشري ومساعديه، فلم يجد شيء يستند إليه بعد ذلك إلا الطعن في نزاهة القضاء الليبي. الإعلام غير الرسمي – إلا ما رحم ربي- لم يكن يهمه سوى إدانة النظام ولم يكن مستعدا للتعامل مع القضية على أساس أنها قضية وطنية تستحق أن تؤجل من أجلها الخلافات ولو لحين من الدهر!! بل ذهب البعض على توجيه الإتهام للنظام نفسه بضلوعه لحقن الأطفال بفيروس الإيدز، على أساس أن هذا سيزيد من حالة الاحتقان الداخلي وفرصة للضغط على النظام وزيادة العزلة من حوله!!، الأمر الذي يعتبر توظيف للقضية في غير النسق الصحيح، فالذي يهمنا هو معرفة الجناة الحقيقيين وبشكل عادل لا يظلم فيه أي شخص لأننا ليس لنا أي موقف مسبق من الشعب البلغاري كي نتمي أن يكون الجناة من بلغاريا، ونتخذهم كبش فداء للجناة الحقيقيين.
أما المؤتمرات الشعبية فهي مدعوة للإنعقاد في التوقيت الغلط لتناقش تغيير قانون العقوبات لتربك الجهاز القضائي في وقت هو في حاجة أن تتكاتف معه كل القوى، وإلا فلماذا الدعوة لعقد جلسات المؤتمرات الشعبية في هذا التوقيت؟ هل هو نوع من التأثير السياسي على الأحكام والتدخل دستوريا لتغيير القانون؟ بعد ان عرف الجميع قدرة الجهاز القضائي على أن يفلت من الضغوط السياسية الكبرى التي يتعرض لها رجال القضاء!!. إن إنعقاد المؤتمرات الشعبية الآن ولتطرح قضية تعديل قانون العقوبات وعلى الأخص عقوبة الإعدام يلقى بظلال من الريب في المسألة ويصعب حملها على محمل العفوية، إذ لا يمكن أن تكون صدفة ان يحدث هذا التزامن!! أما هذه المؤتمرات إذا شرعنت التفريط في حرمة دماء أولادنا وحقوقهم فستكون وصمة عار لا تمحى على مدار التاريخ، إذ لم يحدث في أي مرحلة من التاريخ البشري أن تجتمع السلطة التشريعية من أجل التفريط في مصالح أبناء الشعب، فهل يعي أعضاء المؤتمرات الشعبية ماذا يعني أن يصوتوا على خذا الأمر؟ أظن عليهم أن يرفضوا وألا تحسب عليهم مثل هذه الجريمة البتة.

السلطات الرسمية لم تدافع كما ينبغي على سيادتنا وقضاءنا وسكتت في مرات كثيرة عن انتهاكات صارخة من قبل الحكومة البلغارية والبرلمان البلغاري الآن والمعارضة البلغارية يعني كامل الشعب البلغاري الذي اعتبر أن قضية الممرضات قضية وطنية وتناسى فيها اختلافاته الجذرية ووقفت المعارضة تساند الحكومة في القضية بدل أن تصوب موقفها غير المنطقي في تعاطيها معها، فهي قضية وطن لا قضية تصفية حسابات سياسية!! وهم الجناة علينا، فلم تتحرك السلطات الرسمية تخاذلت دبلوماسيتها في ردع هذه العجرفة ولم تلوح حتى مجرد تلويح بقطع التعاون وتهديد المصالح البلغارية في ليبيا وهي بدون شك استثمارات ذات بال يهم البلغارى أن تستمر، كذلك تصريحات الادارة الأمريكية على لسان الرئيس بوش الأبن بشكل عارى عن أي لباقة دبلوماسية وكأن رجال القضاء الليبي غفر على بوابة من بوابات معسكر قونتانامو، وليسوا رجال قضاء مثلهم مثل غيره من رجال القضاء في أي دولة يخضعون لمناقشة معطيات ولا يخضعون لهرطقته ولا لعنتريته السياسية، وكان يجب عليه ان يطلب بتحقيق العدل بدل من أن يطلب وبدون أي حصافة دبلوماسية أن يطلق الجناة ويفروا من العقاب العادل، ليس لمأساة هؤلاء الأطفال وأمهاتهم أي اعتبار عنده!! هو يعلم أنه بمقدوره أن يمارس ضغوط على النظام الرسمي لذلك يطمح أن يحقق من خلال لي الذراع والتلويح بالتأخر في رفع ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهي نفس اللعبة القذرة التي تبتز بها كل الأنظمة التي تفتقر إلى السند الشعبي الحقيقي، ولم يعجز هذا الأسلوب إلا مرتين، مرة في تركيا عندما صوت البرلمان ضد طلب السماح للإستخداد الأراضي التركية كنقطة عبور لجتياح العراق، فلم يستطيعوا ان يفعلوا تجاهه شيئا، والثانية عندما أيدوا الإنقلاب الذي دبروه ضد رئيس فنزولا المنتخب دستوريا من قبل الشعب، فافشل الشعب الإنقلاب وجاء بالرئيس من سجنه ورجعه إلى قصره وأحبط بذلك كل محاولات الإبتزاز السياسي الذي تعرض لها النظام الرسمي. إن دبلوماسيتنا خاملة ولم تتفاعل مع هذا الإستفزاز بالشكل المطلوب مما اضر بمصالحنا القومية العليا وقذف بدماء أبنائنا في أتون دلاهيز الساسية دون راعي لها نشط وصاحب حجة وبيان ومنطق يستند على موقف وطني شعبي عام.

أيها السادة... إننا ندخل هذه المعركة مهلهلين مشتتين، فهل من رؤية وسبيل للتعامل مع هذه القضية بما يحفظ لنا حقوقنا ومصالحنا وحرماتنا؟ وهل مازال في الوقت بقية للإستدراك؟
نعم!!! مازال هناك متسع من أجل:
1- حراسة العدالة أولا: نحن نريد العدالة ولا شيء آخر غير العدالة، كي لا تتحول القضية إذا ما تم التلاعب السياسي بها إلى قضية ثأر، يجب أن يترك الأمر للقضاء الذي نحن على ثقة من قدرته على الحكم فيها بكل نزاهة، ونحن مع رجال القضاء ونتحمل مسؤولية الأحكام التي يتخذونها.
2- تجميد الحرب السياسية بين المعارضة والنظام حتى ننتهي من هذه الأزمة المتشابكة مع أطراف دولية متكاتفة
3- قدمت مقترح لمخطط عام للتفاهم بيننا وبين الشعب البلغاري في مقال على موقع المنارة بتاريخ 23/08/05م بعنوان " قضية أطفال الإيدز قضية وطن عليا " أحيل إلى الرابط تحاشيا للتكرار   http://www.almanara.org/maglat/19.htm   

إلى كل ليبي حر وليبية حرة... وإلى عوائل الضحايا... إلى كل رجل أو امرأة في موقع قرار... إننا جميعا عند اختبار وطني حقيقي يستوجب علينا أن نؤجل خصوماتنا لبعض الوقت ثم لكل حادث حديث ، مهما اختلفنا سياسيا فهذا لا يبرر أن أكون بأي شكل من الأشكال ضد مصلحة وحقوق أولادنا، فلنخرجهم من المضاربة السياسية!! فلتكن قضية الإيدز قضية وطن لا فرس رهان سياسي.
وإلا فلماذا هي قضية وطنية في بلغاريا وقضية نزاع سياسي في ليبيا؟
دمتم بعافية... والسلام عليكم
صلاح الدين الشلوي

 

اقرأ ايضا للكاتب :


 


للتعليق على الموضوع

اضغط هنا

 

جميع حقوق النشر محفوظة لمؤسسة المنارة للإعلام
الموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة