نشاطات البالتوك

 

تصنيع القداسة: سيد قطب نموذجا (1/2)!!!

 

بقلم: طارق القزيري

المنارة  -  12/4/2006

الجزء الثاني من المقال

 

(1)

 

نعتقد أن السؤال اليوم وبلا رتوش: كيف يمكن استعادة أو تحرير أو إعادة الإعتبار لـ (المسلم) أما هيمنة (الإسلاموي)؟؟، كيف يمكن إعادة الأهلية، للإسلام الشعبي، البسيط والمتواضع، الذي عاشت به شعوب المسلمين، وجاهدوا به، وقاتلوا أعتى حقبة كولونيالية مرت بتاريخ الأرض؟؟.

 

كيف يمكن إعادة الإعتبار للإسلام الطبيعي وهو الدين الذي كانت تكفي كلمة (مخصصة) تقال لينسحب عليك وصفه ورسمه؟؟، في حين تحول على يد الإسلاموي السياسي إلى دين نخبوي تقود إليه الطليعة المؤمنة، ذات المنهج المحدد، والتنظيم المقولب بعناية تناسب مقاسات محددة بطريقة فيها كل الإتقان الممكن عدا مراعاة الإسلام نفسه، وطبيعته السمحة الشعبية والجماهيرية !!!.

 

 لقد قامت حقبة الصحوة الإسلامية كمفهوم انقلابي، ضدا على مفاهيم الإسلامي الشعبي، ونمط حياة المسلمين، ومن أجل أهداف معينة (بوعي / أو بغير وعي)، صارت حياة المسلمين الماضية جاهلية، وصار الإسلام في غربة، وأمتشق الغرباء كل الأسلحة الممكنة، ليجلبوا مجتمعاتهم من نواصيها إلى الطريق المستقيم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك.

 

(وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، محمد38)، هذه الآية وربما غيرها استخدمت بكثافة لتبرير المد الصحوي، لا لوجوده فقط، بل كذلك لدعواه ومضامينه المتباينة في أحايين كثيرة، ودون حاجة لأي تأمل مانع، ظلت كلمة (تولوا) غير مفسرة بشكل منهجي، فلا شيء مثلا في التفاسير المعتمدة (لدى تيار الصحوة نفسها) يضمن التفسير الساري صحويا، إن في (تولوا)، أو في (يستبدل)،  بل إن حتى المعنى اللغوي المجرد الذي يقتضي عدم تجاور المستبدل والمستبدل به معا، وإلا لم يكن هناك استبدال  ففي تفسير الطبري:  (يُهْلِككُمْ ثُمَّ يَجِيء بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْركُمْ بَدَلًا مِنْكُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ) إنتهى !!!. مجرد التصديق إذا هو مبرر الاستبدال، الذي يكون بالإهلاك والمجيء بآخرين وفي تفسير الجلالين ((يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ" أَيْ يَجْعَلهُمْ بَدَلكُمْ)) (فتأمل!!!).

 

لسنا هنا بصدد حصر حجم التغيير الذي أحدثه تيار الإسلام السياسي (الصحوي) عند تناوله واستنطاقه للنصوص الدينية، وكذا فنحن في سياق التمثيل لا التدليل، ألقي نظرة مثلا على آية سورة الرعد(11): (( ... إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...)، فالمفهوم الصحوي لها هو معنى إيجابي بمعنى أن الأوضاع السيئة للأمة ستزول بتغيير الأمة لحالها التقوي: أي أن تتقي الله، لكن المفسرين القدامى وهم السلف الذي يقال بضرورة مواكبة فهمهم للدين، فسروا الآية بالمعنى السلبي بمعنى أن المعصية سبب إزالة النعمة وليست سببا لجلبها(1).

 

(2)

 

ثمة تغير كبير حدث في مفهوم الصحوة، عند أكبر منظريها، وإذا أخذنا سيد قطب كنموذج اليوم، فنجده يردف فعل الصحوة بالشعوب الإسلامية كاملة في كتابه: في التاريخ فكرة ومنهاج يقول :  ظن الناس فترة أن الاستعمار قد أفلح، وأن هذه العقيدة قد نامت إلى غير يقظة، فإذا بها تنتفض في صحوة إلى غير سبات!، وإذا بالعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه يتجاوب بصيحة واحدة ضد الاستعمار، ويمد يده إلى كل قضايا التحرير ومعاركه في أطراف الأرض.(انتهى).

 

لكن هذا المفهوم الصحوي سيختلف بالكامل: فلم يسحب من الشعوب صحوتها بل إسلامها، ولو بصفة نظرية، عندما يقول سيد قطب في (المعالم): ((إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته ، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه ، وليس وراء الإيمان إلا الكفر ، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية . . وليس بعد الحق إلا الضلال . . .)) انتهى.

 

الشعوب الصاحية لم تكن آنذاك محكومة بالإسلام، وكانت مسلمة تمارس صحوتها لدى سيد قطب، لكن الأمر تغيّر!! لماذا؟؟ لايمكن هنا أن ننفي المتغيرات التي حدثت مع الكاتب نفسه، وصدامه مع حكام بلده، الذين أيدهم قبلا، بل وطالبهم بتأجيل الانتقال الديمقراطي، فمن صبر سنينا، لن تطول عليه أشهر كما قال سيد نفسه رحمه الله للواء محمد نجيب (سيد قطب من القرية للمشنقة: عادل حمودة).

 

مرحلة الصدام الإسلاموي مع الناصرية، هي المرحلة التي حرفت وفصلت الإسلاموي عن المسلم، وهذا يعني أن الديكتاتورية هي المفصل الأساس المنتج للظاهرة الإسلاموية، ويعني كذلك ضرورة مدارسة تلك الفترة، لإنجاز هذه المهمة التاريخية، أي سلب أحقية التمثيل الإسلاموي للإسلام، واستعادة حق المسلم في تمثيل دينه، هي مهمة غاية في الوضوح، وبالغة في الأهمية كذلك.

 

إننا ضمنا نؤمن بأنه بقدر ما سيكون المستقبل للإسلام، فإننا نؤمن أن هذا الإسلام ليس هو إسلام الحركات الإسلاموية الراهنة، بل هو الإسلام السمح البسيط، الخالي من التركيبات السياسوية، والتوظيفات الإيديولوجية البتة، وبالتأكيد أن الإسلام الذي يسجل أكثر معدلات الانتشار بين الأديان والعقائد في العالم اليوم، ليس هو الإسلام الحركي السياسي، حتى وإن زايدت الإسلاموية بذلك، واعتبرته من جنيها ونتاجها.

 

(3)

 

عملية الفصل المشار إليها بين الإسلاموي والمسلم، ينبغي أن تعمد إلى نزع القداسة التي يحاول الأول أن يتصف بها، ويتدثر بجلبابها، ولأن نزع القداسة، يقتضي إدعاء أنها مصطنعة، فمعنى هذا أن نتابع ونستقصي، عملية صنعها، كيف تصنع القداسة عبر الخطاب؟؟، هذه هي المهمة الأساس في سبيل إرجاع الإسلاموي من السماء إلى الأرض، وطبع نشاطه بسمته الدنيوية الأصيلة، ولذلك يأتي اعتمادنا على (المرحوم :سيد قطب) كنموذج، صحيح أنه قيل في الرجل مدحا وذما، الكثير الكثير، ولاشك أن نقده، أمام عقلية الاستقطاب الحادة، التي لا تجد إلا التصنيف الحاسم، بين عدو وصديق، أمر غير مشجع، ولكننا نرى أن (سيد قطب) هو المؤثر الأساس في العقل الإسلاموي، ربما نابذ الكثير منهم اليوم سيد قطب في الخطاب، لكن أثره في العقلية الإسلاموية ظل الأكثر حضوراً، وظل نسيج خطابه وفكره، يكّون المادة الأساس في كل الخطابات اللاحقة له.

 

خطاب سيد قطب خطاب إيديولوجي، وعلى هذه القاعدة سنحاكمه، لنعيده إلى الأرض، وإلى فكره هو وعقله، بدلا من تشبته بالسماء، وإدعاء السير على المنهج المقدس قداسة العقيدة نفسها، طبقا لسيد قطب، إذ يقول في المعالم: ((فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية..))

 

يتبع (2/2)

 

Abusleem@gmail.com

 


(1): بالتأكيد ثمة آيات تفيد بأن الطاعة مجلبة للنعمة، ولكن تغيير دلالة النصوص لصالح المشروع السياسي الإسلامي هو الأمر الجدير بالانتباه هنا.


للتعليق على الموضوع

اضغط هنا

التعليقات

اعتقد أن الكاتب كان عضو في حركة إسلامية ما ً تركها وأنقطع عن مواكبة ما يجري بداخلها و حولها أو أن المقال كتب قبل عشر سنوات وأراد صاحبه أن ينشره الآن أو أن الكاتب أراد أن يستفز اصحاب الاسلام السياسي عبر موقعهم وهذا مستبعد اذا غلّبنا حسن الظن.
على العموم ما طرحه الكاتب ثم تجاوزه مند سنوات واندثر من قاموس الكتابات بشتى أنواعها بعدما أشبع كتابة وتحليلاً بل حتى فكرة الصحوة الاسلامية وما صاحبها من سلبيات وإيجابيات تكاد تصبح في عالم النسيان على المستوى الفكري والعملي وأنها مرحلة تم تجاوزها من الاسلاميين وغير الاسلاميين. ان ما يطلق عليه الاسلام السياسي أصبح جزء من النسيج السياسي والتقافي في معظم الدول العربية وشهد تطور كبير في كل الجوانب بل أصبح يقترب رويداً رويداً من المجتمع الدولي واصبح يعقد التحالفات ويجري الحوارات مع العلمانيين والشيوعيين والناصريين وغيره م، يا سيدي العالم يتغير ويتطور على مستوى الفكر والممارسة والاسلام السياسي وغيره من الإتجهات ليس إستثناء والأحداث تتسابق حتى لاتكاد تلاحقها سماعاً فارجو أخي الكريم الاّ اتديروا عجلة التاريخ الى الوراء فيكفي ماعانيناه من مشاكل وتخبط وعدم تسامح وإقصاء الأخر ، هذا لا  يعني عدم النقد والتصحيح ولكن بدون التركيز على السلبيات وإبرازها والتدكين عليها وإجترار الماضي من غير منفعه فحاضرنا ومستقبلنا فيه من الإيجابيات والسلبيات والمخاطر ما يستوجب شحد الهمام والطاقات من أجل مستقبل أفضل لأجيال تنظر من ياخد بها إلى عالم أفضل بين بقية العالم المتحضر.

محايد
13/4/2006


شكرا: عزيزنا (محايد): سعدت كيرا بتعريجتكم

وأنا لم ولن أكون في أي جماعة أو تنظيم إسلامي أو علماني أو نسمه ما شئنا/ فالحزبية في عالمنا العربي والإسلامي، ملجمة حقيقة عن التطور الموضوعية، وحرية الفكر، ولم أعلم مطلقا حالة تخالف هذا، إلا بعد انشقاق المخالفين وما أكثرهم

البحث والحفر في جيولوجيا كل خطاب، لا علاقة له، بالمسار السياسي لأي طرف، الفكر/ الخطاب : ليس مجرد شيء عابر يتجاوزه المرء بقراره الغض عنه الدراسات الحديثة اليوم، تشير إلى ما يسمى السياق الفكري، الذي له محدداته، وتجلياته، وهذا ما نتناوله هنا.

وإذا شئت الصراحة، فقد تجاوزت الكتابة عن الشيخ القرضاوي، أو الغنوشي، أو الراشد، أو عبد الكريم بكّار، كي لا نسقط في متاهة ردود الفعل الشخصية والحزبية.

عموما: بغض النظر عن الدوافع وغيرها، مما يستدعي انصرافا عمّا يكتب فعلا، والاختباء خلف مكتشفات ما وراء السطور المزعومة، كنت أتمنى منك أخي الكريم (محايد) وقد لاحظت أن للمقال جزء ثان، أن تطالعه أولا، هذا بافتراض أنك لم تطلع عليه بعد !!!

أما إذا أطلعت عليه، فسأذكرك إذا أصررت على ربطنا بالمسار السياسي، والذي هو مجرد تجليات للفكر، بصورة ما، فماذا ستسمي قول الشيخ (هنية) في فلسطين غداة إقرار التشريعي لحكومته: إنه في (( يوم من أيام الله))؟؟، وماذا نقول عن النائب المصري الذي وصف فوز حزبه الإسلاموي: بأنه انتصار للأمة الإسلامية؟ هل لو فاز خصومه لكان يوم للشيطان أو غيره، وإلا فلماذا الابتهاج بهذا الوصف بالذات.

هذه هي القداسة المستعارة التي لا نريدها، ولا يعني هذا الإقصاء البتة!!! وعلى الإسلاميين وقد بدأوا في اعتلاء سدة الحكم، تغيير مفهومهم للنقد الفكري والسياسي، وعدم وضعها تحت يافطة الإقصاء بحال.

وهكذا ترى أن تصنيع القداسة دأب الخطاب الإسلاموي، وبالتالي فحديثنا لم يفقد جدواه بعد، ولا يمكن تبريره بتاريخ الكاتب مع أو ضد الأحزاب والحركات، فعضويتها أمر لم يسبق لي التشرف به بحال.

وها آنا أقبل وجهة نظرك بكل ترحاب، إذ لايمكن أن أكون إسلامويا، وانتقد الإسلامويين، فالقداسة لله، والباقي حديث البشر وهمومهم الدنيوية لا غير

دمت طيبا، ولك من الود وده

والسلام

طارق
13/4/2006
 



مرحباً بك أخي طارق مرة أخرى والأخيرة بالنسبة لي في التعقيب على ماتفضلت به في مضوعك تصنيع القداسة سيد قطب نموذجا
فعلى الرغم من أني كتبت ردي الأول قبل أن أقراء الحلقة الثانية من موضوعك لكن صدقني كنت متوقعا ماستكتبه بخصوص إدّعى القداسة في خطاب الاسلاميين وكانت النتيجة أكبر مما توقعت بل صُدمت من حيث تطرفك في تكرار الإدعاء القديم الذي تجاوزه الزمن والفكر ولو فرج فودة حي لما عاود أن يشغلنا به ثانية ً (سامحني على هذا الإستنتاج الذي قد لايعجبك) ، وأنا هنا والمرة الماضية قصدت تناولك لهذا الموضوع من خلال سياقه الفكري الزمني والموضوعي ولم أقصد المسارالسياسي وخلفيتك الذهنية التنظيمية وإن كان هناك تشابك بينهما في محدادت كثيرة، فالكتاب له مايزيد عن ثلاثين سنة و الإسلاميون أنفسهم وغيرهم أنتقدوه وخالفوا صاحبه عليه رحمة الله في كثيراً من المناسبات ودارت المعارك ا لفكرية بين أطرف كثيرة وأستنفد الوقت والجهد في مثل هكذا نقاشات لم نخرج منها إلاّ بكثير من التباعد وزيادة في المسافات الفكرية بين كل الآطراف وقليل من المحصلة الفكرية النافعة هذا كله كان قبل عشر سنوات مضت ثمّ ناتي ونعيد الكرة وبنفس الاسلوب وخاصة عندما يأتيك المدّعى عليه ويكتب ويقول لك أنّ كلامه يحتمل الخطاء والصواب وأن العصمة لله ورسوله وكلامه ياتي في دائرة الاجتهاد ولو اردت ان أتيك بكلامهم في نفس هذا السياق لما اتّسع هذا المنبر الإعلامي لحصره وهم أيضاً ما برحوا أن يفندوه وينفوه عن أنفسهم بل ويستنكرونه على من يدّعيه ،هذا ليس معنه الاّ يُنتقد الاسلاميون اوغيرهم او أن هناك خطوط حمراء لايتم تجاوزها في نقد أحد ما أو أنّ خطابهم لم يكن به أخطاء ولكن عندما يصبح الموضوع مُكراراً وقديماً وبعيداً عن الموضوعية يصبح ليس له نكهه ولامزية ويدخل في باب النقد في الفراغ .أنا شخصياً لاأرى أن هناك في وقتنا الحاضر من يحاول أن يصبغ خطابه بالقداسة الإلهية لإنّ هذا يجعله مصدر للنقد وعدم القبول من الآخرين وسيتجاوزه الزمن بحكم التغير والتطور الذي طرى على الفكر الإنساني ، ثمّ ماذكرته من أمثلة من كلام بعض أصحاب الإسلام السياسي كشاهد على كلامك هو من ظنون الكلام الذي يحتمل أكثر من وجه ولو ناقشت أصحابه لما وفقوك لما قلته ولانفوا إدّعاك هذا .
أيضاً أخي الكريم لو وفقتك افتراضاً في ما ذكرته من أنّهم يدّعو القداسة في خطابهم ثم تاتي و تنتقد خطابهم فمعنى هذا أن مشايخهم سعتبرونك خارجاً عن الملة و أن هناك شك في إسلامك(حشاك من هذا) بحكم أنك طعنت في مقدّّس وهو كلامهم وهذا سيعقد المشكلة ويدخلنا في محاكم وقضايا نحن في غنى عنها .
أخي الكريم إنّ من أخطاء النخب التقافية والسياسية أنّها شغلت أنفسها وشغلت الجماهير معها بخلافتها السياسية والأيدلوجية على حساب المجتمعات وقيمها الحضارية والتنموية وأهملت الشريحة الواسعة من الطبقة الوسطى داخل مجتمعاتها فكان الناتج مزيداً من التخلف والتقهقر على كل الأصعدة ، كان هذا الكلام قبل أكثر من خمسين سنة واليوم بعد هذا كل التقدم والتحضّر الإنساني مازلنا وللأسف نكرر نفس الخطأ وبنفس الخطاب.

محايد
15/4/2006


جميع حقوق النشر محفوظة لمؤسسة المنارة للإعلام
الموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة