هذا الموقف الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بوش ليس
سوى إرهاب سياسي سافر. نقصد ما أعلنه في أعقاب اجتماعه في البيت
الأبيض منذ يومين مع الرئيس البلغاري، من ان ليبيا يجب ان تفرج
عن الممرضات البلغاريات، وان هؤلاء الممرضات «يجب ألا يحصلن على
العفو فحسب، بل ان يخرجن من السجن أيضا«. وتهديده الفج لليبيا
عندما قال «اننا أبلغنا موقفنا هذا الى الحكومة الليبية، وسنستمر
في جعل هذه الرسالة واضحة جدا«.
لماذا؟ وعلى أي أساس؟ ولأي مبرر بالضبط، ينبغي أن تفرج ليبيا
فورا عن هؤلاء الممرضات على نحو ما يطالب بوش، وبلغة تهديد
سافر؟. لا سبب ولا مبرر سوى أن بوش يرى أن هناك مصلحة أمريكية في
هذا. ربما يريد مقايضة هذا الموقف بشيء ما يريد الحصول عليه من
بلغاريا مثلا أو أيا كانت هذه المصلحة. ولا مبرر سوى أن بوش يفكر
بمنطقه العادي المعروف من أنه حين تكون هناك مصلحة أمريكية وحين
يريد هو ذلك، فما على الحكومة الليبية سوى أن ترضخ تحت الضغط
والتهديد والاكراه. لا سبب ولا مبرر غير هذا. ذلك ان ما أعلنه
بوش ينطوي على احتقار سافر لابسط مبادئ العدالة، وعلى استهانة ما
بعدها استهانة بارواح الاطفال الأبرياء في ليبيا. قضية الممرضات
البلغاريات ليست قضية سياسية. هي قضية تتعلق بواحدة من أبشع
الجرائم. هؤلاء اتهمن بحقن نحو 400 طفل ليبي بفيروس الايدز في
مستشفى ببنغازي، توفي منهم 47 طفلا حتى الآن، وجرت لهن محاكمة
مطولة، ودافع عنهن محامون، ثم أدانتهن المحكمة بارتكاب الجريمة
وأصدرت أحكامها عليهن. فما معنى المطالبة إذن بالإفراج عنهن الآن
فورا على نحو ما يريد بوش؟. يعني هذا ثلاثة أمور محددة: الاول:
يعني احتقارا للعدالة، وللقضاء الذي أدان هؤلاء المجرمات. فما
يريده بوش يعني ان المحاكمة التي جرت وإجراءات القضاء الليبي
التي اتخذها ليس لها معنى ولا قيمة يعتد بها. والثاني: يعني
استهانة واحتقارا لارواح ومعاناة المئات من الاطفال الليبيين
الضحايا الابرياء وعائلاتهم وكل الشعب الليبي. فموقف بوش يعني،
كما سبق وكتبت في هذا المكان تعليقا على الضغوط الاوروبية على
ليبيا في هذه القضية، ان أرواح الاطفال الأبرياء ومعاناة أسرهم
لا تساوي شيئا ولا تستحق اهتماما ولا تستأهل حتى أن يعاقب
المجرمون على جريمتهم. والثالث: يعني تهديد بوش السافر هذا أنه
على الحكومة الليبية، كما على كل الحكومات العربية، أن ترضخ وأن
تهرع فورا لتلبية أي أمر يريده السيد بوش أيا كان، حتى لو كان
الأمر يتعلق بالتضحية بحق المئات من الضحايا الأبرياء في قضية لا
علاقة لها بالسياسة. ثم إذا كان الرئيس بوش قد أعلن هذا الموقف
لأنه يعتقد فرضا أن الممرضات البلغاريات بريئات وان «العدالة«
تقتضي الافراج عنهن.. إن كان لديه حرصا على العدالة، فلماذا إذن
لا يصدر أوامره بالإفراج عن المئات من الابرياء القابعين في
معتقل جوانتنامو وغيره من المعتقلات الأمريكية في العراق
وأفغانستان وغيرها؟. لماذا لا يفعل هذا علما بأن هؤلاء المعتقلين
لم توجه إليهم أي تهم أصلا، ولم تستطع السلطات الأمريكية توفير
أي أدلة يمكن أن تدينهم أساسا؟. الإجابة نحن نعرفها والعالم كله
يعرفها. إدارة بوش لا تعرف للعدالة معنى ولا قيمة. لا تعرف إلا
الظلم والإرهاب بكل صوره، وتظن أن الكل يجب أن يخضع لبطش قوتها
وجبروتها في أي وقت وفي أي قضية. لكل هذا، لابد أن نعبر عن
تقديرنا للموقف الليبي، والذي عبر عنه وزير الخارجية الليبي
عبدالرحمن شلقم الذي بادر فورا برفض ما قاله بوش وطالب به، وقال:
«هذه أمور قضائية لا تتخذ فيها قرارات سياسية، وان الممرضات
البلغاريات اتهمن بقتل أبرياء وحكمت عليهن محكمة مستقلة«. وقال
الوزير أيضا: «نحن لا نقبل أن يفرض أحد علينا قرارا أو يعطينا
تعليمات«. نقدر كثيرا هذا الموقف للحكومة الليبية. إذا كانت
ارواح ومعاناة المئات من أبنائنا الاطفال الضحايا الأبرياء
وعائلاتهم في ليبيا لا تعني أو تساوي شيئا بالنسبة للسيد بوش،
فإنها بالنسبة للشعب الليبي، وبالنسبة لنا جميعا في كل الدول
العربية، تساوي الكثير جدا. بالنسبة إلينا أرواح ومعاناة أبنائنا
الأطفال الليبيين ليست رخيصة بل غالية جدا، والقصاص من المجرمين
القتلة أبسط حقوقهم.