نشاطات البالتوك

أطفال العرب ليسوا أرخص من دجاج أوروبا

 أحمد المرشد
 

الخليج -   24 اكتوبر 2005

" ضحى " من ضحايا جريمة الايدز في مستشفى اطفال بنغازي

دم الطفل العربي ليس أرخص من دم دجاجة تقدم للسيد الأوروبي أو السيد الأمريكي على طبق ساخن ليملأ بها معدته.. ويصب بعدها اللعنات على العرب ويعتبرهم محور الشر في هذا العالم الذي لا يرحم شر البلية ما يضحك، وشر البلية نقرأه هذه الأيام في صدر الصفحات الأولى لكبريات الصحف، ونسمعه في مقدمات نشرات الأخبار الرئيسية..

وشر البلية ما أضحكنا وأبكانا هذا الاسبوع ونحن نستمع إلى تصريحات الرئيس الأمريكي بوش عن الممرضات البلغاريات الخمس اللاتي اتهمن بتعمد حقن اربعمائة طفل ليبي بفيروس الإيدز القاتل، وهي قصة انفطر لها قلوب الآباء والأمهات في العالم بأسره.

لقد انبرى الرئيس بوش باندفاعه المعهود وكراهيته الشديدة لكل ما هو عربي، مدافعا عن أولئك الممرضات البلغاريات مؤكدا أن المطلوب ليس فقط انقاذ حياتهن من حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة أول درجة في ليبيا بل يجب إطلاق سراحهن.

وقبل مناقشة هذا التصريح العنتري المضحك المبكي طرأ في ذهني سؤال.. والسؤال حول الوباء الذي يتحدث عنه العالم الآن ويثير فزعنا جميعا وهو انفلونزا الطيور الذي يجعل فكرة تناول وجبة من الدجاج في شرق آسيا أو في أفخم مطاعم أوروبا مغامرة غير محسوبة العواقب.

ماذا لو ورد للرئيس الأمريكي خبر كاذب، وما أكثر الأخبار الكاذبة التي ترد إليه، مفاده أن ليبيا أو عربيا حقن أربعمائة دجاجة بفيروس أنفلونزا الطيور وقام بتصديرها إلى دولة أوروبية أو إلى الولايات المتحدة؟

أتخيل أن الرئيس بوش لن يتردد لحظة في إعلان غضبه، وصب جام لعناته على العرب والمسلمين، واتهامهم بأنهم ارهابيون وقتلة، يحقنون الدجاج الآمن ويقدمونه كوجبات مميتة لأبناء بلاده، وربما أمر قبل أن يتحرى مدى دقة الخبر أساطيله الجبارة وجيوشه الجرارة للتحرك نحو هذه الدولة العربية أو تلك تمهيداً لاحتلالها، ولسعى بعد ذلك إلى مجلس الأمن، لعبته الجميلة، ليستصدر قراراً منه يمنحه شرعية العدوان على هذا البلد، واحتلال أرضه وشعبه.

سيفعل الرئيس بوش هذا بلاتردد، من دون أن نرى على وجهه حمرة الخجل وربما أكد مساعدوه من المحافظين الجدد أن هذه الخطوة مباركة من عند الرب، فبوش عند هؤلاء المحافظين هو مبعوث العناية الإلهية، لحماية الدجاج، وحماية بني الإنسان أجمعين.. دون العرب والمسلمين..!!

لن نستغرب أن يصب الرئيس “المؤمن” جورج بوش لعناته الحارة، على قتلة الدجاج، الجبابرة الذين لم يهتز لهم قلب ولا رمش، وأقدموا على حقنه بفيروس انفلونزا الطيور، وسوف يصفق له أعضاء الكونجرس كثيراً، وسوف تهلل له آلة الإعلام الأمريكية وسوف يحمل أطفال المدارس صوره على قلوبهم، لأنه الملاك الحارس لكل دجاجة أسيرة في أي مدينة أو قرية من قرى العالم.

لكن من المؤكد أن قلب هذا الرئيس المفعم بالإيمان لم يهتز لأن أربعمائة طفل ليبي، كانوا بالنسبة لأهلهم وذويهم قرة أعينهم، وغدهم الذي سيحققون أحلامهم فيه من خلال هؤلاء الأبناء، الذين لم يقترفوا إثما، سوى أنهم استقبلوا الدنيا بابتسامة امل.. وبينما هم سعداء بوجبة حليب دافئة جاءت خمس ممرضات بلغاريات ومعهن طبيب فلسطيني، وحقنوا هؤلاء الملائكة الصغار بفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) عمداً ومع سبق الإصرار والترصد.

لو كان هؤلاء الأطفال أربعمائة دجاجة محبوسة في أقفاص ومعدة للتصدير إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، لثار بوش وأرغى وأزبد وهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور أما لأنهم أطفال عرب، فالموت أحق بهم، والعذاب وحرقة القلب هي أفضل هدية يقدمها لآبائهم ولأمهاتهم..!!

لقد صرخ أحد آباء هؤلاء الضحايا أمام الفندق الذي تقيم فيه الطبقة الدبلوماسية الأمريكية في طرابلس الغرب قائلاً: ألم يكن أجدر بالرئيس بوش أن يأمر بعلاج هؤلاء الأطفال.

ونحن من داخلنا نصرخ أيضاً: ألم يكن الأجدر به كزعيم للعالم، في زمن الأحادية، أن يأمر بإرسال بعثة لتقصي الحقائق، وعدد من الأطباء الأمريكيين وعدد من رجال المباحث الفيدرالية أو ال”سي أي إيه” إلى العاصمة الليبية لتحري الأمر، واتخاذ ما يلزم من إجراءات إنسانية.

ألف سؤال وسؤال دار في ذهني وفي أذهان الكثيرين ونحن نستمع إلى هذه التصريحات العنترية، من الرئيس بوش، وكم شعرنا وقتها بأن دمنا العربي رخيص بل هو بلا ثمن في عيون هذا الرجل وإدارته.

إن أكثر العرب تمسكا بعروبتهم لم يغضب عندما أصر بوش وبلير على أن يدفع النظام الليبي ثمن غلطته الفادحة عندما أسقط طائرة لوكيربي، وأزهق أرواح من فيها، ولا عندما كبدوا الشعب الليبي المليارات جراء هذه الجريمة التي كان قد مضى عليها أكثر من عشرين عاماً.

ولكن هل يجب أن يعاقب العربي إذا أخطأ ويعاقب أيضا إذا أخطأ أحد في حقه؟ إنه سؤال يثير الألم في النفوس ويثير الغضب أيضا.. وليتنا نعرف لهذا السؤال جواباً.

إن النظام الليبي مهما بلغت قوته، ومهما كانت قدرته على السيطرة على شعبه، لا يستطيع أن يصدر قراراً بالعفو عن الممرضات الخمس، لأن جريمتهن أدمت قلوب خمسمائة أسرة في ليبيا، وآلاف الأسر في العالم العربي، بل وخارجه أيضاً. فمن الذي يمكن أن يتسامح في جريمة بمثل هذه القسوة والبشاعة؟

إن دم الطفل العربي ليس أرخص من دم دجاجة تقدم للسيد الأوروبي أو السيد الأمريكي على طبق ساخن ليملأ بها معدته.. ويصب بعدها اللعنات على العرب ويعتبرهم محور الشر في هذا العالم الذي لا يرحم.



* كاتب ومحلل سياسي بحريني


اقرأ ايضا

من قصص الأطفال المحقونين بالايدز (1) : مأســاة (ضحــــى)

للتعليق على الموضوع

اضغط هنا


جميع حقوق النشر محفوظة لمؤسسة المنارة للإعلام
الموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المنارة وتعبر عن رأي اصحابها فقط