في عالم البيولوجيا- علم الحياة العضوية- لاحظ
المراقبون إمكانية أن يصاب الكائن البشري بحالة
فقدان القدرة على التركيز والتفكير المنطقي
والتذكر ووصفت مع أعراض أخرى لا تهمنا في هذا
المقام بأنها حالة شيخوخة مبكرة، وهي مظهر من
مظاهر فقدان التوازن الوظيفي لأعضاء الإنسان.
هذا في عالم الأحياء.. أما في عالم الأفكار
والرؤى والبرامج التي يطرحها هذا الطرف أو ذاك
فإن العجز عن طرح ما يتناسب مع طبيعة الشعارات
المرفوعة، والإستعاضة عن الطرح الموضوعي الذي
يقنع الجمهور بجدوى وقيمة ما يطرح إلى التصدي
لأخطاء الآخرين من خلال خطاب ديموغوجي مفرغا
للشعار المطروح في الشارع السياسي من كل مضمونه،
ثم خوض معارك خارج إطار القانون وبأساليب تضر
بعمليات المخاض الراهن، وعبر أساليب تتلازم مع
حالة فقدان التوازن المبكر، وتجلى واضح للعجز عن
تجسيد الشعار واعتبار أن كل ما يخالفه فهو مناقض
له بالضرورة ومعادي وفق منطق من يقول إذا لم تكن
معي فأنت ضدي، أو إن لم تكن صديق فأنت عدو أو
معي أو مع الإرهاب، و تتجلى هذه الأزمة اليوم في
صورتين الأولى عبر تحرض الأطراف بعضها على بعض
وتحذيرها من مغبة إمكانية توصلها إلى أي تسوية،
واعتبارها خطر داهم بحجة أن هذا الطرف بمجرد أن
يتمكن بعد أن تمسكن سيقضى على الطرف الأخر ويسحب
البساط من تحته، وكأننا على طاولة قمار ولسنا
أناس نبحث لوطننا عن مخرج، وتخوفه من أن يوفق
الآخرين في التوصل إلى تسوية تفضى إلى مصالحة
وطنية تمسح الجراحات وتواسي المظلوم وتنصفه،
وتوقف النزف والهدر في إمكاناتنا وتلتفت إلى
مستقبل شبابنا الذي لا ينبغي أن يرث عداوتنا
وعقدنا، بل يجب أن لا نشغله بها ونستحثه بدلا عن
ذلك كي ينطلق ويسعى في رقي ومصالح وطننا، ولا
يحصر تفكيره في كدر الكبار وأزمتهم، هذا الجيل
الصاعد الذي يجب أن يتطلع أن يعيش زمانه لا زمان
من مضوا وأن يعيش تحديات هذا الزمان لا حسابات
عقود ولت، شباب يواجه تحدي العولمة بكل
استحقاقاته وما تمليه عليه من مهام ضرورية كي
يشارك ويتجنب مصير الاستلحاق وتكريس التهميش
واستمرار التبعية... فلا أدري لصالح من يمارس
البعض دور المحرض ودق إسفين التناحر بين الأطراف
المختلفة.. لا أدري لماذا يصر البعض على دق طبول
الحرب وتحريض أبناء الوطن الواحد على أن يحذر
بعضهم مخادعة بعض كلما لاحت في أفق سماء الوطن
الملبد بالغموض بصيص شعاع ونور في نهاية النفق
المظلم عبر مبادرات تسوية تحفظ للوطن والمواطن
حقه في أن يعيش الجميع في وفاق ووئام؟
ماذا سيخسر الوطن لو أننا عند هذا المنعطف الخطر
الذي نمر به أعطينا أنفسنا فرصة كي نتصالح؟ ما
الذي سيخسره الوطن لو أننا مددنا أيدينا إلى
المبادرة التي أطلقها المهندس سيف الإسلام وقلنا
نحن شركاء في هذا المشروع الوطني ونحن نقبل اليد
التي تمتد لتصالح من أجل وقف النزيف وإنصاف
المظلوم وحمل الديات والاعتذار لمن هضم حقه بعد
ترجيعه له كاملا غير منقوص؟ ما جدوى التساؤل عن
صفة سيف الإسلام وشرعيته وأهليته في أن يطرح هذه
المبادرة؟ لماذا لا نعتبره مواطن ليبي تقدم
بمبادرة لإطفاء الحريق وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
مواطن ليبي له علاقته الخاصة التي يريد أن
يوظفها من أجل الوطن في ظاهر كلامه هل من
العداوة للوطن في شيء أن أقول له أنا أوافقك على
هذه المبادرة وعلى أتم الإستعداد من الآن أن
أشارك في كل عمليات إطفاء الحريق والإنقاذ
والإنصاف؟ هل يكون عدوا لوطنه يجب أن تحرض
الجماهير على عداوته؟ من امتنع عن تأييد العسف
والإستبداد وناهضه بكل شجاعة وصبر ومسؤولية ثم
لما حان وقت مد الجسور وتسوية الوضع المأزوم قال
ها أنا ذا أمد يدي... هل هذا عدو للوطن ومفرط في
مصالحه ومتظاهر مع الظلم الذي وقع في الماضى؟
هل من يقول لمجتمعه لقد آن أوان التصالح وأول
ظلامه توضع ثمنا للمصالحة الوطنية هي ظلامتي
مشجعا للأجواء الإيجابية وإفساح فرص أمام الجميع
كي لا يستمر النزيف يكون مفرطا في التضحيات؟ من
يعتبر أن الإصلاح خيار وليس بديل وأن سقف
المطالب قد يتدنى ليصبح مجرد الأمن على الأرواح
سقفا عاليا لا قدر الله لو انزلقت البلد إلى
هاوية العنف للعنف بين أبناء الشعب وبيوته
وقبائله، هل يعتبر عدو من يريد أن يفسح المجال
لتحريك عجلة الإصلاح مهما عجز الكثير عن رؤية
إمكانية الاصلاح، هل لمجرد العزم على تحريك
العجلة يعتبر عداوة للوطن ومصالحه العليا؟
لا شك أن تحريض الأطراف بعضها على بعض، ثم
التهديد بمواجهة من يختلف إجتهاده بزعم أنه أصبح
في خندق العدو مشهد صارخ على حالة فقدان التوازن
السياسي وافتعال معارك لا حقيقة لها وصرف للناس
عن النقص الفادح في الشعار المرفوع واستنساخ
للخطاب الديموغوجي الماركسي القديم، وعدم القدرة
على تفسير حركة التاريخ إلا من خلال الصراع
والصدام، ورد حركة التاريخ إلى العامل المادي
واعتبار أن حدث ما هو بداية تاريخ المعارضة
الليبية دليل على حجم وعمق الأزمة التي يعاني
منها هذا الخطاب المتطرف.
ولكن إن بقيت كلمة أخيرة في هذا المقام فهي
ليعلم من خلالها الجميع أن العقلاء لن يدخلوا في
صدام ولن يخوضوا معركة مع هذا الخطاب إنما
سيتركونه للزمن كي يعالجه، نعم ليس للعقلاء أي
معركة مواجهة مع هذا الخطاب، وأرجو أن ينتبه
بقية الأطراف إلى طبيعة المعركة الموهومة التي
يحاول أن يجرهم لها هذا الخطاب وليعلموا أن
الساحة الليبية لا ينبغي أن يسيطر عليها أسلوب
التهديد والتحريض فهو مرفوض باعتباره ابتزاز
سياسي مردود وإرهاب فكري لا مجال للخضوع له
بحال.